الخرافة الأولى أم مغامرة الروح الأولى؟ نقاش حول التناقض بين الروحانية والعلم

 *

طوني صغبيني

*

هل هنالك تناقض بين الروحانية والعلم؟ اعتقد أن معظم الملحدين سيجيبون على هذا السؤال بنعم، وسيقولون أنه بالتأكيد هنالك تناقض بين العلم وكافة الأفكار والممارسات الروحية!

سأناقش في هذا المقال أنني لا اتفق مع هذا الجواب، بل اعتقد أن السؤال نفسه غير منطقي لأنه يشبه السؤال حول ما إذا كان هنالك من تناقض بين التفاح والبرتقال. العلم والروحانية هما أمران مختلفان، وينطلقان من أسئلة مختلفة حول العالم ويصلان إلى أجوبة مختلفة، تتفق أو تختلف بينهما، لكن كلاهما حاجاتنا أساسيتان لحياتنا العصرية – وهذا ما أريد أن اتحدّث عنه هنا.

قد يبدو ما أقوله هنا محيّراً للملحدين والمؤمنين على السواء، وخصوصاً لنا في العالم العربي حيث كل شيء قائم على الثنائيات المتعارضة بالمطلق، فكيف أقول إذاً أن أمران مختلفان عن بعضهما تمام الاختلاف مثل العلم والروحانية يمكن أن يتكاملا، من دون أن أقع في فخ سوء فهم كلاهما في آن معاً؟ فلنناقش ذلك قليلاً.

*

ما هي الروحانية؟

علينا أن نقوم أولاً بتفكيك معنى الروحانية لأن الطريقة التي نعرّف بها هذه الكلمة فيها الكثير من الشوائب.

التعريف الشائع للروحانية هو أنها الإيمان بالماورئيات التي لا يوجد عليها دليل علمي أو إثبات عقلي قاطع، كالروح والحياة بعد الموت وخلق الله للكون والكتب المقدسة والأنبياء والآلهة. المشكلة الأولى في هذا التعريف هي أنه يتمحور إلى حد كبير حول معتقدات الأديان الإبراهيمية. هنالك العديد من الأديان في العالم التي لا تؤمن بالجنة والنار، ليس لديها أسطورة خلق محدّدة، ولا تؤمن بكتب مقدّسة أو أنبياء أو آلهة، فهل عدم إيمانها بهذه الأشياء يعني أنها ليست أديان روحية؟

فلنأخذ البوذية كمثال لاختبار ذاك التعريف. Read the rest of this entry

Advertisements

ما بعد إلحاد الروح‎

 *

وليم محفوض

*

أذكر عندما كنت طفلاً ومن ثم مراهقاً، أني كنت كائناً مليئاً بالأحاسيس وبطاقة اعتقدت بأنها لا تنضب. كنت دائم الانشغال وكانت الحياة مشغلي. حرّاً أتنقل بين نشاط يسليني وآخر يستهويني، كنت كقرد في برّيته، أقفز بين لعبة وأخرى، من موسيقى ورياضة وغناء ومسرح ورسم، من شقاوة وخلق عبثي وبراءة وعدم اكتراث، من خدش سببته صخرة في مخيم في الغابة وألم لذيذ لقبلة فتاة لم أحصل عليها وسرقة سيارة والد صديقي وقيادتها بعشوائية، من عدم الاهتمام بدروسي والانكباب على قراءة كتب ثقيلة على عمري وصولاً لبداية الاهتمام بالأفكار الكبيرة والأحلام الأكبر. والشعور الذي أذكره اليوم أكثر من غيره، هو أني كنت والحياة وما فيها واحداً. وبالتالي فإن هذه الصورة الزهرية عن طفولتي تأتي من كوني لم أكن مدركاً لذاتي ككيان منفصل عن كل ما ملأ حياتي. كنت أنا اللعبة واللاعب. كنت أنا الحياة والذي يحياها. أو هكذا يحلو لي أن أتذكر!

 

هناك واقعة تستحضرني من تلك الأيام يأتيني ذكرها هنا. كنا أربعة من أصدقائي وأنا، وكلنا في الثانية عشرة من العمر، نتسكع على مجموعة من الصخور تقع على تلة في قريتنا في جبل لبنان. وكان صوت الطبيعة مالكاً لحواسنا، والمناظر الخلابة آخذة من اهتمامنا، نصرخ ونضحك بين الحين والآخر بخفة الأطفال اللامبالية. وإذ بي وبدون أي إنذار حتى لنفسي، أسألهم بصوت مرتفع وأنا أقف على أعلى صخرة في المكان وظهري صوب الوادي: هل تؤمنون بوجود الله؟ وساد صمت غريب للحظات كان فيه خوفاً طرد سلام سكوت الطبيعة الذي اعتدنا عليه. فأجابني الجميع وبحدية، نعم بالطبع نؤمن به. قلت، وأيضاً بصوت واثق: وهل تعتقدون أنه في السماء؟ فقالوا نعم بالتأكيد ومنهم من بدأ بالتململ من أسئلتي طالباً إقفال الموضوع. عندها رفعت يدي إلى السماء، وصرخت: إذا كان الله موجوداً بحق، وبيته في السماء، فليصعقني الآن وليقتلني! ثم كررت موجّهاً كلامي مباشرة لله هذه المرة: إذا كنت موجوداً بحق، وبيتك في السماء، فلتصعقني الآن ولتقتلني! وكنت جدياً وحاداً، فذعرهم الأمر وقرروا الرحيل وظلوا على مدة أيام يتحاشون مجالستي.

منذ ذلك اليوم قررت، أنني لا أؤمن بإله لا يصغي إلي!

 

هذا المراهق الذي جعل الحياة إيمانه وإلهه، والذي رأى بإله خارجه مزحة ثقيلة، كبر. وكمعظم الذين يعرفهم، سواء شابهت طفولته طفولتهم أم كانت مختلفة، بدأ قلبه الذي احتوى العالم بالانكماش، وبدأ عقله بالتضخم. خيبات الحياة وقساوتها أثقلت على صدره، وكل فكرة في رأسه أنبتت جداراً جديداً بينه وبين الحياة. ما كان واحداً دائماً، أصبح إثنان لا يلتقيان. كل فشل لم يعوّض، كل جرح لم يشفى، كل حملٍ لم يُفهم سببه، كل همٍّ لم يلقى صديق يسنده، كل رغبة لم تُحَقق، كل خوف تراكم ولم يُعلن، كل ردة فعل تحولت قناعة ثم عادة ثم طبع بالشخصية دفنت تحت طبقاته الكثيفة شبح ذلك الذي صرخ يوماً بوجه الله، لاعباً مع نفسه!

كل هذا وأكثر، أفرغ القلب وجعله خواء، وملأ العقل بالهراء الذي نسميه أفكاراً ومعتقدات ونظريات وثقافة، وأثقل الجسد كسلاً بأمراض النفس الفارغة الوحيدة العقيمة. كل هذا وأكثر جعل الذي كان في يوم من الأيام يبحث عن إله يصغي إليه ويسمع صدى جوابه في نفسه، جعله أبكماً أصمّاُ خاوياً ملحداً حقيقياً بذاته الانسانية.

 

لم أشارك هذه القصة هنا، سوى لاقتناعي بأن في نفس معظم الذين سيقرأون هذه الكلمات، انعكاس يشابه انعكاس هذه القصة. فأنا أدركت مع التجربة، وبالمشاركة مع الكثير من الأشخاص من مختلف التجارب، أن السمة المشتركة لإنسان هذا اليوم، هو ما أسميه الإلحاد النفسي والروحي، بعيداً عن التصنيف الفكري المعتاد لمفهوم الإلحاد وسياقه الديني والثقافي.

فلا يعنيني حقيقة في ما أؤمن به اليوم، أي النقاش حول الإيمان العقائدي بالله أو الإلحاد الفكري به. أعتقد أن المقاربتات هما وجهان لعملة واحدة. الإثنان يعبّران عن اعتناق لنظرية لم تأت عن اختبار روحي داخلي ذاتي، وبالتالي لا يمكن اعتبارها حقيقة مختبرة، بل مجرد اصطفاف ايديولوجي ثقافي يحمل الوجهين الايجابي والسلبي. على سبيل المثال، يمكننا اليوم إيجاد شخص يعتبر نفسه ملحداً بالفكر، فيه كل سمات الإيمان الروحي بالممارسة، كما ويمكننا بسهولة فائقة، إيجاد متدينين بالله قولاً صلباً، وهم لا يؤمنون حقاً بما يعتقدون به.

يمكننا أن نجد عالماً ملحداً يلوّن العالم بأبحاثه المبهرة، وشيخاّ متنوراً يشفي القلوب بكلام الله. لذلك فإني أود التركيز هنا على الإيمان بحقيقتنا الانسانية الواحدة أو الإلحاد بها. قضية في رأيي هي أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

عندما نراقب ما يجري حولنا، سواء في محيطنا المباشر أو على مستوى العالم، نشهد تراكماً متزايد السرعة لأحداث يصفها الكثيرون بالإنهيار الحضاري، أما أنا فأرى فيها تحوّلاً أكثر من كونه انهيار.

هو انهيار لمنظومة قديمة لا محال، ولكنه بعمقه وبمعنى أشمل تحول في الوعي الإنساني.

ربما يسعنا الحديث في وقت لاحق بطريقة أعمق عن سياق هذا التحول وعوامله ومظاهره، ولكن ما يعنينا هنا هو الجانب الروحي لهذا التحول، الذي هو باعتقادي جوهر كل تحوّل حقيقي في الوعي.  للإيضاح، فإن استعمال عبارة “الجانب الروحي” هنا هو في سياق المعنى الوجودي الشامل، وليس المعنى الديني التيولوجي الميتولوجي الضيق، وهو يأتي في سياق السؤال الأكثر أهمية في الوجود: من أنا؟!

إن العالم اليوم، يشهد مع كل الفوران الذي يشهده على السطح، فوراناً في عمق كيان الكثير من الأفراد، أكثر مما شهده في تاريخ البشرية. وإني أشدد على عبارة أفراد، إذ إن الواقع الحالي في معظم أنحاء العالم فرض حالة حزينة من العزلة على أفراد المجتمع. هذه الحالة أنتجت فردانية من نوع جديد تقارب الفردية المطلقة، لكنها في الوقت ذاته تشكل بذرة تحوّل الكثير من الناس نحو الاتجاه الحقيقي: السؤال عن حقيقة أنفسهم، ومحاولة الإجابة بأنفسهم عن هذا السؤال الأهم.

لم يوجد من قبل في تاريخنا البشري، حالة مماثلة حيث أن ملايين الأفراد اليوم محاصرون بأساليب حياة تجعلهم جُزُراً مستقلة في مشاعرهم وأفكارهم وعاداتهم وعلاقاتهم ومادياتهم ومصائرهم. نحن في زمن تحوّل مفاهيم الدين والعائلة والاقتصاد والأمم والثقافات والفنون والجماعة البشرية برمّتها، وبالتالي فإن ما نشهده اليوم من فوضى عامة في العالم، ليس إلا أثر أوّلي لأن المعتقدات والثقافة السابقة لم تعد صالحة أبداً للتعامل مع الواقع الجديد. لذلك فإننا على شفير اندثار الايديولوجيات الجماعية التي حكمت حتى أواخر القرن الماضي، دينية كانت أم إلحادية أم غيرها، وليس عودة الكثيرين لأفكار قديمة بشكل تحجّري أو كوميدي سوى دليل على الإفلاس الكامل لرؤيتهم في الحاضر.

النتيجة المباشرة لذلك، هو دفع الكثيرين ومن بينهم كاتب هذه الكلمات إلى البحث في مكان آخر عن طرق لتشكيل نظرة أصلب لهذه الحياة، وبالتالي طريقة أكثر حقيقية وبساطة لعيشها.

ما كان يُعتبر قبل هذا الزمن عمل الفلاسفة والمفكرين والنسّاك والمنعزلين، أصبح اليوم حاجة ملحّة للعديد من الأفراد: البحث عن حقيقة الذات وملء الفراغ النفسي والفكري والروحي بحقيقة وجدانية أصلية مختبرة وليس بأفكار مكرّرة مستهلكة أثبتت فشلها عبر الوقت.

إن الإلحاد في هذا السياق، له قيمة كبيرة، اذا وجد صاحبه في وسط ظلمته طريقاً نحو الجهة المضيئة للإيمان بالذات البشرية والوجود برمته على أنه التعبير الأسمى عمّا يسميه بعضنا الله بوحدويته المطلقة. انتقال من الانقسام على ذواتنا، بين بعضنا، وبيننا وبين طبيعتنا، الى حالة من وحدة الوجود، ليس على المستوى الداخلي وحسب، بل على المستوى الوجودي العملي الكلي في إيماننا وعلاقاتنا وعملنا وغذائنا وعاداتنا…

إن الواقع الذي نختبره اليوم، هو جديد كلياً على وعينا البشري، لذلك فإنه يتطلب مقاربات جديدة بشكل جذري، تستقي من خبرتنا الجماعية روح الفهم لذواتنا ولكن تستنبط وسائل تعليمية وتحولية تلائم متطلبات هذا الزمن. أنا كلي إيمان أن جوهر طبيعتنا الخلاقة يرتفع لهذه المهمة بالرغم من لحظة سيطرة التفاهة والظلم والطمع واللاجدوى والهراء.

 

إن نداء الله الأعمق فيك حين يبلغ إلحادك أقصاه!

وإنه هذه المرة، نداء بصوت ذاتك الصامتة الصادقة، وليس بصوت أي سلطة من خارجك. إنه الهمسة البريئة لذلك الطفل الثائر بداخلك، مطالباً باستعادة حقه بالحياة الكلية الواحدة، بالتوحد مع الوجود، بعفوية وبراءة وبساطة ومحبة ومعرفة وخلق.

إنه الطفل الذي تعلّم أنه ولكي يستجيب الله لصرخته، عليه أن يصغي جيدا بالأذن التي في صميم قلبه!

 

فكما يقول طاغور:

“على المسافر أن يقرع كل باب غريب حتى يصل لبابه، وعلى المرء أن يجول في كل العوالم الخارجية حتى يصل لمزاره الباطني الحقيقي في النهاية.

إن عيوني قد ضلّت بعيداً قبل أن أقفلتها وقلت: هنا أنت!

السؤال ‘أين؟’ يذوب في ألف نهر من الدموع ويغمر العالم كله بطوفان من قناعة الوجود بذاته: أنا!”

 

بداية كل بحث ونهاية كل إدراك!

* * *

يمكن العودة إلى فهرس العدد الخامس وقراءة كافة مقالات العدد على الرابط التالي: ما بعد الإلحاد: نقاش يتجاوز ثنائيات التناقض

المشكلة مع الإلحاد – سام هاريس (محاضرة مُترجمة)*

بالنظر لغياب الأدلة على وجود الله والغباء والمعاناة التي لا تزال تنتشر بكثرة تحت عباءة الدين، إعلان الشخص لنفسه على أنه “ملحد” اليوم يبدو كأنه الرد المناسب الوحيد. وهذا هو الموقف الذي اتخذه العديدون منّا بفخر وعلانية. الليلة، أريد أن أدافع عن فكرة أن استخدامنا لهذا التصنيف هو غلطة – وغلطة لها بعض العواقب.

 *

المشكلة الاستراتيجية

هاجسي حول استخدام تعبير “الإلحاد”، هو هاجس فلسفي واستراتيجي في الوقت نفسه. أنا اتكلم من موقع غير عادي وربما متناقض، لأنني الآن أمثل أحد الأصوات العامة للإلحاد رغم أنني لم أصنف نفسي كملحد قبل أن أُدعى للحديث باسمه. لم استخدم هذا التعبير حتى في كتاب “نهاية الإيمان”، الذي يبقى أهم نقد لي للدين. وكما ناقشت في كتاب “رسالة إلى أمة مسيحية”، أعتقد أن “ملحد” هو صفة لا نحتاجها، بالطريقة نفسها التي لا نحتاج لنطلق صفة على من يرفض علم التنجيم. نحن لا نطلق ببساطة تعبير “اللا-منجّمون” على الناس. كل ما نحتاجه هو كلمات مثل “عقلانية” و”دليل” و”منطق” و”هراء” لكي نظهر خرافة المنجّمين، ويمكن القيام بالأمر نفسه مع الدين.

Image result for ‫نهاية الإيمان سام هاريس‬‎

 وضع تصنيف على أي شيء يحمل معه معوقات حقيقية، وخاصة إن كان الشيء الذي تصنّفه ليس شيئاً محدداً على الإطلاق. والإلحاد، برأيي، ليس شيئاً محدداً. إنه ليس فلسفة، تماماً كما أن “مناهضة العنصرية” ليست فلسفة. الإلحاد ليست نظرة كونية للحياة، لكن رغم ذلك يعتقد معظم الناس ذلك ويهاجموه على هذا الأساس. نحن الذين لا نؤمن بالله نتعاون في تغذية سوء الفهم هذا عبر قبول هذا التصنيف واعتماده بأنفسنا.

مشكلة أخرى هي أن القبول بتصنيف، وخصوصاً تصنيف “الملحد”، يبدو لي أننا نقبل بأن يرانا الناس على أننا مجرد تيار ثقافي آخر. نحن نقبل برؤيتنا كمجرّد مجموعة أخرى لها مصالحها الخاصة وتلتقي في المؤتمرات والفنادق. كموقف فلسفي وكموقف استراتيجي، لقد مشينا إلى فخ، وهذا الفخ تم نصبه لنا عمداً في العديد من الأحيان، وقفزنا إليه بكل ما فينا من حماسة.

Read the rest of this entry

ما وراء الدين والإلحاد

(c) National Trust, Nostell Priory; Supplied by The Public Catalogue Foundation

*

 هاني نعيم

*

كثيراً ما يُطرح عليّ سؤال ما إذا كنت ملحداً. جوابي يكون دائماً: “بالطبع لا أؤمن بالله وبأديانه ولكني لست ملحداً”. كثيرون لا يعرفون تحديداً قصدي من ذلك، وبعدها أقوم بشرح فكرتي من وراء ذلك.

لم أؤمن بالله يوماً. عندما كنت في العاشرة من عمري حاولت أن أؤمن به، ولكني لم أستطع. لاحقاً، بدأت أقترب من المعتقدات الروحانية القديمة، والتي تعتبر على أنها أديان وثنية.

عام 2004، بدأت اقترب من التيار الإلحادي أكثر، ومع مرور السنوات اعتنقت الإلحاد، حتى أن كثيرين اعتبروني بأني ملحد متطرف، وقد كنت ذلك بالفعل. قراءاتي حينها تركزت على الفلسفة الالحادية كما كتبت في منتديات كثيرة دفاعاً عن الإلحاد وفي مواقع لادينية، وعملت مع أحد الاصدقاء على خلق مساحة لادينية وملحدة للمدونين في العالم العربي. خضت وأصدقاء أحاديث مطوّلة مع مؤمنين، ومنهم من ترك إيمانه واعتنق الإلحاد. وهذا كان من الأشياء الجميلة.

كنت ملحداً، وفي الوقت عينه كنت دائماً ما اعتبر بأن هناك في هذا العالم ما هو وراء الدين وما بعد الإلحاد.

*

الإلحاد كضرورة فكرية

في مجتمعات مثل مجتمعاتنا العربية المتديّنة والمحافظة، يعتبر الإلحاد ضرورة فكرية للذين يريدون الخروج عن سيطرة السلطات الدينية والسياسية، والباحثين عن طريق خارج الأديان، الإسلام والمسيحية واليهودية، التي تمتلك أجوبة معلّبة ومسبقة عن كل شيء تقريباً.

الإلحاد يقدّم للشبان والشابات الأدوات الفكرية لتفكيك الرؤية الدينية، ويمنح طريقة تفكير نقدية تجعلهم قادرين على تجاوز الدين والشريعة. ويؤمّن الإلحاد مقاربة علميّة وتحليلية في فهم ظاهرة الدين والسياق التاريخي والثقافي والنفسي الذي خرجت منه. الكثير من المفكرين، الفلاسفة، العلماء والكوميديين يقدمون مواد مهمة وأدوات تساعد على تفكيك المنطق الديني.

المنظمات الدينية في المجتمعات الممتدة ما بين المحيط والخليج لا تحب فكرة انتشار الإلحاد بين الفئات الشبابية، خصوصاً في فترة ما بعد الانتفاضات العربية التي بدأت عام 2011 وهذا يدل على أن الإلحاد يشكل خطراً حقيقياً على سلطاتهم.

مذاهب السنة والشيعة يكرهون بعضهم بعضاً لأسباب سلطوية – تاريخية والقتال بينهم اشتد في العقد الأخير، ولكنهم دائماً ما يلتقون لمحاربة الإلحاد وانتشاره. هكذا، نرى قادة دينيين وسياسيين من السنة والشيعة يدعون أحياناً لوقف القتال فيما بينهم للتفرغ للحد من انتشار الإلحاد، ولكن لذلك مفاعيل عكسية أحياناً، إذ أن تضييق الخناق على الناس سيدفعهم أكثر للبحث عن تيارات فكرية خارج الدين.

*

ما بعد الإلحاد

كما ذكرت سابقاً، الإلحاد هو حاجة فكرية في مجتمعات ينتشر فيها التطرف الديني، ولكن هل الإلحاد كاف؟

المنطق الديني يتعامل مع الوجود على مبدأ ثنائية الله والشيطان، الإيمان والكفر، الخير والشر، الجنة والنار. هكذا يحدّ الدين من خوض الحياة ويضعها في اظار ضيّق لا أفق له.

خلال القرون الطويلة من مواجهة الإلحاد للدين، بدأ الإلحاد يحمل صفات عدوّه، ويرى الوجود على مبدأ الثنائية ما بين الإيمان والإلحاد، العلم والدين، المادة والروح. هذه الثنائية حدّت من قدرة التيار الإلحادي، بكل تشعباته، على الإجابة على جوانب مختلفة من الحياة. هكذا، علق الإلحاد في غرفة مغلقة مع الدين. لا أحد منهما قادر على الخروج منتصراً من الغرفة.

الحياة هي اللانهائية في الإحتمالات. لخوض تلك الإحتمالات، الغوص في الأبعاد المختلفة لهذا الوجود، ودخول عوالمه اللامتناهية، يجب تجاوز الثنائية التي تجعل الحياة تبدو صورة كاريكاتورية باهتة وجافّة. رؤية العالم على أنه ثنائيات مفصولة عن بعضها يعني البقاء في بُعُد واحد للحياة. الصراعات التي تحركنا لنرتقي بالوعي هي صراعات تحدث ما وراء الثنائيات وهو ما يلخص كتابات الفيلسوف والمعلم نيتشه الذي تركزت فلسفته على تجاوز الخير والشر، وتجاوز الإنسان لنفسه نحو “الإنسان الأعلى” (ubermensch).

الإلحاد يقدم لنا الأدوات اللازمة للخروج إلى أفق فكري جديد، ولكن في مرحلة ما، يصبح الإلحاد حالة فكرية يجب تجاوزها أيضاً لاكتشاف الأبعاد الأخرى لهذا الوجود، الأبعاد التي لا يمكن للإلحاد رؤيتها ام التعامل معها.

اختم بقول لنيتشه على لسان النبي زرادشت “إنني لن أؤمن إلا بإله يكون قادراً على الرقص”.

* * *

يمكن العودة إلى فهرس العدد الخامس وقراءة كافة مقالات العدد على الرابط التالي: ما بعد الإلحاد: نقاش يتجاوز ثنائيات التناقض

وماذا بعد الإلحاد؟ مناقشة في جذور الإلحاد ومستقبله

*

طوني صغبيني

*

لكي نفهم الإلحاد ونجاحه الجزئي في التخلّص من سطوة الدين على الحياة، علينا أن نفهم أولاً جذوره. غالباً ما يتم التعاطي مع موضوع رفض الإيمان بالآلهة على أنه ظاهرة حديثة نشأت في القرن التاسع عشر في كنف صروح الفلسفة والعلم في الغرب الأوروبي، لكن ذلك نصف الحقيقة فقط. للمفارقة، أكثر الحركات الإلحادية تشدداً في التاريخ كانت الأديان السائدة حالياً. فلنناقش ذلك قليلاً.

 *

الأديان الإبراهيمية كأوّل حركة إلحادية في التاريخ

تاريخياً، عدم الإيمان بإله معيّن لم يكن تابو مرفوض اجتماعياً، والسبب بسيط: كان هنالك مئات وحتى آلاف الآلهة التي يعرف عنها الناس وكان من المستحيل عبادتها والإيمان بها جميعاً.

اليونان القديمة مثلاً، تشكّلت في نقطة معيّنة من التاريخ من 1200 مدينة-دولة، كلّ منها لها تقاليدها وآلهتها المحلية الخاصة. المشهد كان مشابهاً في بقية أنحاء العالم ومنها الجزيرة العربية التي كانت مدينة مكّة فيها مركزاً مهماً للعبادة تضم مئات التماثيل لآلهة مختلفة. المثل العربي القديم كان يقول “حين تدخل قرية، أقسم بآلهتها”، وهذا يعكس إلى حدّ كبير ذهنية التسامح والتقبّل الديني التي كانت موجودة في ذلك الوقت.

هذا التنوّع الديني الهائل أعطى حرية كبيرة للإيمان الشخصي، ولم يكن مطلوباً أو متوقعاً من أحد أن يؤمن بكل شيء يراه أمامه. النقاشات الفلسفية والدينية في ذلك الوقت كانت تتناول طبيعة الآلهة كسؤال فكري وعلمي، وبعض المدارس الفلسفية كانت تعبّر صراحة أنها لا تؤمن بالآلهة أو بتأثيرها على الكون والبشر.

كان من الطبيعي مثلاً أن نرى فيلسوفاً  كأناكسيماندر يحاول في القرن السادس قبل الميلاد وضع نظرية علمية لوجود الكون ويحاجج بأن الظواهر الطبيعية كالبرق والزلازل لها أسباب فيزيائية طبيعية وليست من أعمال الآلهة، فيما كانت مدارس فلسفية مثل الأبيقورية ترفض فكرة القدر وتصرّ على أن الآلهة لا تؤثر على حياة البشر. حتى المدارس الدينية القديمة كانت منخرطة في هذه الأسئلة أيضاً، واستمر هذا التقليد في صفوف الديانات الوثنية حتى العصر الحالي حيث لا يزال من الشائع مناقشة ما إذا كانت الآلهة مخلوقات خارقة للطبيعة أم مجرّد انعكاس رمزي للاوعينا البشري. لم يكن الإلحاد موقفاً دينياً بل مجرّد وجهة نظر أخرى في النقاش الفلسفي.

ما ساعد الأديان القديمة على استيعاب شيء كالإلحاد هو أنها أديان عضوية ليست مقولبة في كتب مقدّس ولا أنبياء ورسل لها، ولم يكن لديها بالتالي مفهوم للكفر، أو حتى معايير للإيمان. معظم الأديان القديمة ليس لديها حتى اسماً لنفسها، ولم يكن لديها شروط لاعتبار الشخص مؤمناً او ملحداً.

كل ذلك تغيّر مع وصول الأديان الإبراهيمية، بدءاً باليهودية، ثم المسيحية والإسلام. الكاتب تيم ويتمارش يناقش هذا الأمر في كتابه “الصراع ضد الآلهة: الإلحاد في العالم القديم”، ويقول:

“انتهى عصر (التسامح مع) الإلحاد القديم لأن المجتمعات المتعدّدة الآلهة التي تسامحت معه استُبدلت بالجيوش الامبراطورية التوحيدية التي فرضت عبادة الإله الواحد مع تبنّي الدولة الرومانية رسمياً الديانة المسيحية في القرن الرابع، ومحاولتها استخدام الدين للحفاظ على تماسك الامبراطورية.[1]

خلافاً للحركات الفلسفية السائدة وقتها، اخترعت الأديان الابراهيمية شيئاً جديداً، أسماه الباحث الألماني جان أسمان بـ”التمييز الموسوي”، نسبة إلى النبي موسى الذي يعتبر أوّل من خرج بالفكرة. التمييز الموسوي هو بكل بساطة مفهوم الكفر: الأديان السماوية كانت أوّل دين في التاريخ اعتبر أنه هنالك دين صحيح ودين خاطىء، وآلهة خاطئة وإله صحيح واحد، وأن من يعبدون الآلهة الخطأ هم كفار وعلى ضلال ويجب التعاطي معهم على هذا الأساس.

الأديان الإبراهيمية إذاً، هي أولى الحركات الإلحادية المنظّمة في التاريخ، لأنها أولى الأديان التي رفضت بشكل مطلق الإيمان بالآلهة الأخرى، بل اعتبرت أن من يؤمن بها يستحق الموت – لهذه الدرجة بلغ تطرّفها الإلحادي. في الوقت نفسه، الأديان الإبراهيمية لم تتسامح إطلاقاً مع عدم الإيمان بإلهها – أي بالإلحاد الموجه صوبها. يمكن القول أن الأديان الإبراهيمية كانت مهووسة بفكرة الكفر والإلحاد، حتى أن كلمات مثل الكفر والضلالة ومشتقاتهما تتكرّر نحو 900 مرّة في القرآن مثلاً[2]، فيما معظم أسفار العهد القديم مليئة باللعنات الموجهة للكنعانيين الوثنيين.

الإلحاد هو بطريقة أو بأخرى فكرة جوهرية في قلب الأديان الإبراهيمية، فلا يوجد أديان إبراهيمية من دون إلحاد ولا يوجد إلحاد من دون أديان إبراهيمية، لكن إلحاد الأديان الإبراهيمية لا يتوقّف عند الإيمان بالآلهة، بل يذهب إلى رفض العالم نفسه كمكان حيّ، يقول آسمان:

“عالم الآلهة (في الأديان القديمة) لم يكن فكرة منفصلة عن الكون، البشرية، والمجتمع… عالم الآلهة شكل الكون وتم فهمه على أنه عمليات خلق وتناغم للقوى المنسجمة أو المتصارعة (في الكون)”. الوثنية هي الإيمان بقدسيّة الوجود: المقدّس لا يمكن فصله عن العالم”[3].

الخصم الحقيقي للتوحيد ليس الإيمان بتعدد الآلهة، وليس حتى الإلحاد، بل هو الإيمان بالعالم كمكان حيّ، الإيمان بوجود بُعد روحي ومعنى للعالم الذي أمامنا. المشروع الحقيقي للتوحيد هو مشروع نفي المقدّس من العالم. لهذا السبب تماماً، اعتقد أن الإلحاد الحديث الذي اكتفى برفض إله الأديان الابراهيمية لكنه اتبع فلسفتها برفض العالم كمكان حيّ، واعتباره الوجود مجرّد صدفة والعالم مجرّد صخرة والحياة مجرّد ظاهرة بيولوجية خالية من المعنى، لم يشكّل إجابة مضادة كافية للداء الذي جلبه موسى على البشرية.

تصوّر فنّي لمدينة اسكندرية القديمة حيث دارت العديد من النقاشات الفلسفية حول طبيعة الآلهة (مصدر الصورة من أساسن كريد أورجنز)

 *

كيف تطوّر الإلحاد حتى اليوم؟

للمفارقة، أولى بوادر التمرّد على الأديان الإبراهيمية حصلت في العالمين العربي والإسلامي بين القرن التاسع والثاني عشر ميلادي، Read the rest of this entry

العدد 5: ما بعد الإلحاد

ما بعد الإلحاد: نقاش يتجاوز ثنائيات التناقض

اسكندرية-415، العدد الخامس

*

مقدّمة العدد

*

معظم القراء الذي سيصادفون عنوان هذا العدد، سيطرحون بالتأكيد السؤال التالي: لماذا نتحدث عمّا بعد الالحاد ونحن لم نصل حتى لمرحلة مناقشة الالحاد بحرية في العالم العربي؟

قد يبدو للبعض أن نقاش من هذا النوع هو ترف فكري لا فائدة منه، لكن الإجابة هي في الحقيقة بسيطة: السطوة الهائلة للدين في العالم العربي تحتّم علينا مناقشة أكبر قدر ممكن من البدائل ومعالجة أزمة الفكر الديني من زوايا مختلفة، سواء كنّا نتحدّث عن الإلحاد أو غيره.

إحدى الأمور التي نفتقر إليها في النقاشات الفكرية في مجتمعاتنا العربية هي تلك التي تخرج عن ثنائية الإيمان والكفر، حيث أنه بالنسبة للمؤمنين والملحدين على السواء، لا يوجد سوى خياران فقط حين يتعلّق الأمر بمعتقداتنا الروحية. هذا لا يعني أن ما نريد أن نناقشه هنا هو حلول وسط بين الاثنين أو “خيار ثالث”، لأن الحلول الوسط والخيارات “الثالثة” بطبيعتها محدّدة بالثنائيات التي تحاول التوسّط بينها. ما نودّ مناقشته هو تجاوز هذه الثنائية تماماً وفتح أفق فكري وروحي أبعد من بساطة الإيمان أو عدم الإيمان بإله ابراهيم.

من تابع الأعداد السابقة من مدوّنة اسكندرية يعلم أنه هنالك وجوه عديدة للبعد الروحي لا تنحصر في الأديان السماوية ولا تنحصر حتى في الأديان، لكننا هذه المرة نريد أن نتعمّق قليلاً في الإلحاد نفسه وأن نطرح أسئلة أكبر حوله: هل الإلحاد كافي كإجابة فكرية وروحية معاصرة؟ هل هو مرحلة فكرية مؤقتة أم هو الإجابة النهائية؟ هل نجح الإلحاد أم فشل في تحقيق أهدافه؟

ما نتناوله إذاً لا يتعلق بالإيمان الشخصي ولا يشكّل دعوة للإيمان أو عدم الإيمان بشيء، بل هو نقاش فكري لا بدّ من خوضه في عالم لا تزال فيه عتمة الدين قوية، وفيما تشهد صفوف اللادينيين والملحدين في الوقت نفسه أسرع نسبة نموّ في التاريخ البشري.

وفقاً للإحصائيات المختلفة، يشكّل اللادينيون اليوم نحو 16% من سكّان العالم، ويشكّلون ثاني أكبر “دين” في العديد من البلدان. ليس لدينا احصائيات دقيقة من هذا النوع في العالم العربي لكننا لن نتفاجأ إن اكتشفنا أن عشرات الآلاف من المليار ومئتي مليون لاديني في العالم هم من بلدان عربية وإسلامية، حيث يبلغ الجنون الديني أسوأ صوره. الدراسات الإحصائية السابقة تقدّر عدد الملحدين في العالم العربي بأكثر من مليونين نسمة، لكن اعتقد أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك.

لا شكّ أيضاً أن دولة الخلافة الإسلامية المزعومة “داعش”، كانت للمفارقة، إحدى أكبر الحركات في التاريخ التي ضاعفت أعداد الملحدين واللادينيين في العالم العربي. الاستبداد الديني في مجتمعاتنا يأخذ شكل الاستبداد الاجتماعي أكثر من كونه استبداد سياسي، ويجعل من الإلحاد في العديد من الأحيان ضرورة شخصية ومجتمعيّة في صراع التحرّر الفكري. رغم ذلك، هنالك سؤال دائماً ما يتبادر على ذهن من يتجاوز مرحلة الإلحاد، وهو: ماذا بعد؟

بالنسبة للبعض هذا السؤال غير ضروري، وبالنسبة لآخرين تكمن الإجابة في العلم والإنسانية، لكن بالنسبة لنا، الأهمية الكبرى تكمن في طرح السؤال نفسه – لا مانع أن يكون هنالك مئات الأجوبة عليه.

المهم أن يكون هنالك أجوبة لسؤال كهذا، أولاً لأنه هنالك الكثير من الأشياء الجميلة التي تستحقّ أن نفتح روحنا لها في هذا الكون، وثانياً لأن ترك هكذا سؤال من دون إجابة يعني السماح لموميائات الدين أن تقترح إجابات من جديد، وأن تعيد تحويل مجتمعاتنا إلى مقبرة كبيرة. الإلحاد يمثّل رفض للمقبرة، لكن علينا أن نفكّر بما يجب أن نعيش فيه من بعدها.

أتمنى أن تسمتعتوا وتستفيدوا من هذا العدد الجديد من مدوّنة اسكندرية بعد غياب دام لسنوات، ونتطلّع إلى تعليقاتكم ومشاركاتكم في هذا الموضوع المهم! سيتم تحديث القائمة أدناه بكافة المواضيع الجديدة عند نشرها.

 

فهرس العدد:

صدور العدد الرابع على بي-دي-أف

العدّد الرابع من المجلّة أصبح الآن متاحاً

القرّاء الأعزاء،

العدد الرابع من مجلّة اسكندرية-415 بعنوان “من النوم إلى اليقظة: الاستيقاظ الروحي والذهني” بات الآن متاحاً للتنزيل بشكل مجّاني كملف PDF

يمكن تنزيل العدد والاحتفاظ والاحتفاظ به على حاسوبكم الخاص (وطبعه إذا أردتم) على هذا الرابط (اضغط(ي) هنا) (في حال فتح الملف في المتصفّح، ابحث عن زر “حفظ” لكي تحفظ الملف في الجهاز)، أو عبر الضغط على صورة الغلاف المرفقة مع هذه التدوينة.

غلاف العدد الرابع

يمكن مشاهدة فهرس العدد وقراءته الكترونياً على هذا الرابط.

يمكن دعم المدوّنة والمساعدة في إيصال رسالتها إلى عدد أكبر من الناس عبر مشاركة العدد الرابع على المواقع الاجتماعية، إرساله بالبريد أو مشاركته مع الأصدقاء، كما يمكن الاشتراك بالمدوّنة للحصول على آخر التحديثات عبر إدخال البريد الالكتروني في المكان المخصّص لذلك على يمين الشاشة تحت عنوان “الاشتراك البريدي”.

* * *

العدد الأخير لهذا الموسم:

العدد الرابع سيكون للأسف العدد الأخير لهذا الموسم بحيث ستتوقّف المدوّنة مؤقتاً عن الصدور إلى حين إيجاد فريق عمل يساعد على تحرير المواد، لكن النقاشات ستستمرّ بطبيعة الحال على مجموعة الفايسبوك المتفرّعة من المدوّنة.

* * *

اسكندرية-415 على الفايسبوك:

يمكن الانضمام لمجموعة “اسكندرية-415″ على الفايسبوك، وهي مجموعة اجتماعية وحوارية متنوّعة تهتم بمناقشة  الروحانيات والأديان والممارسات الروحية البديلة. يمكن طلب الانضمام إلى المجموعة على هذا الرابط (اضغط(ي) هنا).

دمتم بخير وسلام

تحياتي

أدون

الحياة الواعية

العين التي ترى كل شيء هي الذات المطلقة

أدون

الحياة بعد الاستيقاظ لا تشبه الحياة قبل ذلك سوى بالإسم. الفارق الأساسي هو أن العيش ينتقل من كونه أوتوماتيكي، ينتقل من كونه ردّة فعل وتلقّي للحياة، إلى كونه واعي، هادف وإرادي. هذا لا يعني بالضرورة أن الإنسان المستيقظ هو الذي يشاكس تيّار الحياة كل يوم، بل يعني في معظم الوقت العكس تماماً: الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع الحياة مهما وضعت من عراقيل وصعوبات في طريقه. هو الذي يقبل الأحداث الجيدة والأحداث السيئة في أيامه من دون أن يفقد توازنه أو ينكسر أمام أي حدث. هو القادر على الاستمتاع بكل لحظة في حياته أينما كان وكيفما كان من دون أن يعني ذلك رضوخه لما لا يمكن الرضوخ له.

الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع نفسه والذي يعرف نفسه جيداً؛ يعرف من أين تأتي أحاسيسه ومشاعره وأفكاره وكيف تستطيع أن تؤثر عليه وأن يؤثر عليها؛ يعرف نقاط قوته وضعفه ويعرف كيفية استعمالها والتصالح معها. الإنسان المستيقظ هو الذي يعرف كيف Read the rest of this entry

على درب اليقظة الروحية: “من أنا؟”

...

إنه أبسط سؤال في العالم لكنه أكثر الأسئلة الروحية عمقاً وتعقيداً؛ تحديد مكان وماهيّة الذات هو مفتاح الأسرار في معظم مدارس الحكمة القديمة حول العالم.

الحالة التأملية التي تتطلبها الإجابة الروحية لهذا السؤال هي من الأصعب تقريباً (خاصة أن السؤال بسيط جداً)؛ بعض التلامذة الروحيين يقضون سنوات طويلة فيها من دون أن تتكشّف لهم أي إجابة، والبعض يكتشفها من دون أي تدريب روحي في لحظة خارج الزمان والمكان من يوم عادي جداً. السؤال، حين تتكشّف إجاباته الأوليّة الواحدة تلو الأخرى يستنفذ العمليات الذهنية ويستدرج الذهن للاستسلام في نهاية المطاف قبل أن تتجلّى للروح الإجابة الحقيقية. الإجابة ليست عقليّة، ولا عاطفيّة، هي روحيّة باطنيّة بكل ما للكلمة من معنى.

بعض أو ربّما معظم اللذين سيخوضونها قد يشعرون أنها تمرين ذهني سخيف لا طائل منه وهذا أمر طبيعي؛ البعض قد ينازع مع السؤال فترة قبل أن يستسلم، والبعض قد يستمرّ معه هذا السؤال كل الحياة لتنكشف له الإجابة في يوم من الإيام حين لا يتوقّعها، والبعض قد يشعر بالإجابة تتسرّب إلى مسامات روحه من اللحظة الأولى. كل هذه النتائج لا تصنّف على أنها جيّدة أم سيّئة لأننا لسنا في امتحان أو اختبار لمهاراتنا ولا علاقة لها بقدراتنا وإنسانيتنا ودرجة روحانيّتنا لا من قريب ولا من بعيد.

“من يختبر هذه اللحظة هنا الآن؟”

خصّص(ي)  عشرين لثلاثين دقيقة لهذه المغامرة الصغيرة. ابدأ(ي) بالجلوس في مكان مريح وهادىء حيث لن يزعجكم أحد؛ أغلقوا عيونكم ودعوا ذهنكم يستقرّ لنحو خمس دقائق. أرح انتباهك من المشاغل الأخرى واجلبه إلى اللحظة الآنية، ركّز قليلاً على التنفس المنتظم واسمح لجسدك بالاسترخاء.

الآن افتح(ي) عيناك واسمح(ي) لنظرك أن يستقرّ على شيء معيّن؛ طاولة، كرسي، مكتبة، خزانة… فيما تحدّق في هذا الغرض، اسأل نفسك: “من الذي يرى الآن؟”. من الواضح أن هذا الغرض يُرى، لكن من أو ماذا الذي يراه؟ Read the rest of this entry

13 نصيحة عمليّة للحياة الواعية

الحياة الواعية، في شموليّتها، هي طريقة عيش نمارسها كل يوم وليست مجرّد موقف ذهني أو معرفة متقدّمة في المجال الروحي. خلق الظروف العمليّة لعيش الحياة الواعية في حياة كلّ واحد منّا هي عملية طويلة ومتدرّجة، تستلزم الكثير من الجهد والتركيز، وفيها صعود وهبوط، لكن النتيجة النهائية التي تتمثّل بالانتقال من النوم إلى اليقظة ومن الموت إلى الحياة، تستحقّ كل التعب المبذول.

في ما يلي بعض النصائح العمليّة المتواضعة التي تساعد على تهيأة ظروف الحياة الواعية في حياتنا اليوميّة.

  1. حين تقوم بأعمالك المهمّة، أسكت كل التكنولوجيا، لفترة ساعة على الأقل. مثلاً، حين نقوم بالتحضير لامتحانات الجامعة، فلنطفأ الانترنت والهاتف والتلفاز خلال ساعات الدراسة، حين نكون في أمسية مع أصدقائنا أو عائلتنا، فلنطفأ البلاكبيري والهاتف خلال الجلسة، حين نكون في العمل في عمل مهمّ، فلنغلق الفايسبوك، وهكذا دواليك. المصدر الأساسي للإلهاء في عالمنا المعاصر هو تكنولوجيا الاتصالات، لا تدعوها تحدّد وتيرة حياتكم.
  2. فليكن صباحك خالي من الإلهاءات؛ وقت الصباح هو الوقت الذي ينتقل فيه الدماغ والجسد من النوم إلى مهام اليقظة ومن المهم جداً أن يكون هذا الوقت هادىء، غير مستعجل، وغير متوتر. لا تفتح حاسوبك صباحاً أو تردّ على الهاتف، أعط نفسك الوقت لتحضير الإفطار والراحة والتأمل والاستمتاع بالشمس، الدفء أو المطر والغيوم.
  3. تناول إفطاراً كبيراً، الإفطار هو أهم وجبة في اليوم.
  4. ابدأ يومك بالقليل من التمارين الجسديّة. لا اتحدّث هنا عن الرياضة لأن معظمنا قد لا يملكون الطاقة الكافية لممارسة الرياضة صباحاً، لكن هنالك أنواع من الحركات الجسدية التي تنشّط الذهن والجسد وتعطينا طاقة أكبر ليومنا، منها رياضات تأملية مثل اليوغا والتاي تشي شوان، ومنها رياضة عادية مثل حركات تليين العضلات التي تسبق عادة التمرين الرياضي. المشي الخفيف لثلث ساعة في الصباح عند شروق الشمس مفيد جداً أيضاً.
  5. خطّط لأسبوعك بشكل مسبق. طبعاً هذا لا يعني أنك ستعلم مسبقاً بما ستفعله كل يوم لباقي الأسبوع، لكن أن تحدّد على الأقل ما تريده كأهداف عمليّة في حياتك خلال هذا الأسبوع. التخطيط المسبق يساعدك على التركيز في حياتك وعلى تنظيم وقتك وانتباهك بطريقة مفيدة جداً.
  6.  تعلّم أن تقول “لا”. سواء في العائلة، الجامعة، العمل، أو الأصدقاء أو أي شيء ننخرط فيه، لأن الكل يريد جزءاً من وقتنا وجهدنا. تحديد ما نريده في أيامنا يساعدنا على اتخاذ قرار بشأن الطلبات التي تُطلب منّا؛ إن كنّا معتادين على قول نعم للجميع فهذا يعني أننا نسلّمهم أمر حياتنا ووقتنا ليتحكّموا بها كما يريدون. تذكّر ما تريده أنت، وقل “لا” حين لا يكون الطلب متوافق مع مصلحتك ووقتك.
  7.  نم باكراً، واستيقظ باكراً، على الأقل خلال الأيام الخمسة الأولى من الأسبوع. Read the rest of this entry