أرشيف المدونة

اليقظة الذهنية (1\3)

...

(المقال مترجم عن مقال بالانكليزية لطوني صغبيني، منشور في مجلة ميستيرا، العدد الثالث، آذار 2011)

 *

مع كل عام يمرّ، معظمنا يعبّر عن دهشته حول السرعة التي يمرّ بها الوقت، “كأنه البارحة”، نقولها عن حدث مرّت عليها سنوات طويلة. أسلوب عيشنا في هذا الزمن يجبرنا على خوض حياتنا بوتيرة سريعة جداً، يجبرنا على تسليم “الطيار الآلي” مسير حياتنا معظم الوقت للقيام بالمهمات المتزايدة التي يجب علينا أن نقوم بها كل يوم. هذه الطريقة بالحياة “تسرق” سنواتنا بكل ما للكلمة من معنى، تحرمنا من الاستمتاع بالحياة كما هي، وتمنعنا من أن نكون على صلة وثيقة بذواتنا الداخلية. في هذه الزحمة، نُترك مدفونين تحت أعباء الروتين اليومي وحياتنا تمرّ بسرعة أمام أعيننا. للأسف، لا يوجد زرّ إعادة في فيلم حياتنا يمكنّنا من العودة إلى لحظات بعينها، البدء من جديد وعيش ما غاب عنّا. لكن لحسن الحظّ لدينا القدرة على استعادة صلتنا بـ”هنا الآن” وعيش كل لحظة إلى أقصاها عبر ممارسة “الحضور”.

في مجتمع سريع الوتيرة، نادراً ما نقوم بأي عمل مستخدمين انتباهنا الكامل؛ جزء من وعينا مشغول دائماً بعبء ما في الماضي أو في المستقبل، سواء كان ذلك شجار البارحة في المنزل أو فاتورة يجب أن نسدّدها غداً. “اليقظة” هي الممارسة البسيطة التي نحرّر فيها وعينا من هذه الأعباء ونأخذه بالكامل لعيش اللحظة لكي نستطيع أن نستمتع بها كما هي، لكي نستطيع أن نتعامل مع ما هو أمامنا بأكثر فعاليّة ممكنة، ولكي نستطيع التواصل مع البعد اللانهائي من كينونتنا.

جون كابات زين، مؤسس مركز تخفيف التوتّر المرتكز على ممارسة “اليقظة” في جامعة ماساشوستس يعرّف “اليقظة” بأنها “إعطاء الانتباه، بطريقة محدّدة وإرادية إلى اللحظة الآنية من دون أن نقيّم شيء ذهنياً”. المعلّم البوذي تيش نات هان يعرّفها بأنها “القدرة على أن نكون واعين لما هو موجود وما يجري هنا في هذه اللحظة بالذات”. “اليقظة” تبدو ممارسة بسيطة وفقاً لهذا الوصف لكنها في الواقع ممارسة صعبة جداً في الحياة.

*

منافع اليقظة

جميعنا تقريباً سمعنا أمهاتنا يقولون لنا أن نأكل طعامنا بشكل واعي: “أطفأ التلفاز، أغلق ذاك الكتاب، لا تأكل على الكمبيوتر، اترك كل شيء وتعال على العشاء!”، هي أمثلة قليلة عن هذه الحكمة الأمومية الخفيّة. الأكل غير الواعي (حين نأكل فيما نفعل أمر آخر)، كما بات معروف الآن، يؤدّي إلى مشاكل هضمية وإلى زيادة في الوزن لأنه يجعل أعضائنا الهضميّة أقلّ فعاليّة ويجعل عقولنا غير متيقظة لكميّة الطعام التي تدخل إلى أجسادنا. هذه الحكمة الشعبية تجد صداها في الواقع في كل نواحي الحياة. Read the rest of this entry

Advertisements

هل يمكن للصلاة أن تشفينا؟ (2\2)

يوغي هندوسي خلال الصلاة

(لقراءة الجزء الأول من المقال أنقر هنا)

________________________

التفسيرات المختلفة لتأثير الصلاة على الإنسان

بالإضافة إلى التفسيرات الدينية التقليدية التي تعتبر أن فعاليّة الصلاة تنبع من الإرادة أو التدخّل الإلهيين، ترتكز المقاربات العلميّة على تفسيرات تبدأ من علم الأعصاب وصولاً إلى التفاعلات الطاقوية الكهرومغناطيسية.

على مستوى نفسي، من المسلّم به أن الصلاة تساعد ممارسها على تخفيف التوتّر والقلق كما تساعده على التزوّد بالأمل والنظرة الإيجابية وتقوّي عزيمته على الحياة، مما يؤدي بدوره إلى تخفيض نسبة الإصابة بالأمراض النابعة من الإجهاد والتوتّر مثل الاكتئاب، الهوس المرضي، أمراض القلب والجلطات الدماغية والدموية، نقص المناعة، مرض باركينسون وحتى السرطان والعديد من الامراض الأخرى.

 التأثيرات البيولوجية للصلاة يمكن قراءتها أيضاً عبر علم الأعصاب؛ الدراسات على نشاط الدماغ خلال فترة الصلاة والتأمل تظهر أن اللذين يمارسون ذلك بشكل منتظم لديهم ضغط دم أكثر انخفاضاً، دقات قلب أكثر انتظاماً، مستويات منخفضة من القلق والاكتئاب، ذاكرة أنشط ومستويات عالية من التركيز، مقارنة مع اللذين لا يمارسون أيّ من الاثنين[1].

تفسير آخر لتأثير الطاقة هو ذاك الكهرومغناطيسي. من المعروف علمياً أن جميع البشر (كما كل شيء آخر خاصة الكائنات الحيّة) يولّدون كمّيات صغيرة جداً من الطاقة الكهرومغناطيسية ومتفاوتة بحسب النشاط الذهني والبيولوجي للإنسان، ويمكن ملاحظة هذه الطاقة والشعور بها بشكل خاص في منطقة راحة اليد. الدراسات في هذا المجال أظهرت أن معالجو الشفاء وفقاً لمدارس الطب البديل الطاقوية، “يبثّون” طاقة كهرومغناطيسية ثابتة بتردّد قدره 7.8  هيرتز، وهو نفس معدّل تردّد الحقل الكهرومغناطيسي للأرض. مؤيدو التفسير الكهرومغناطيسي يعتبرون أن كل تردّد له تأثير فيزيائي معيّن، وأن التردّد البالغ قدره 7.8  هيرتز يظهر قدرة شفائية مميّزة على كل الأجسام البيولوجية[2].

...

التفسير الكهرومغناطيسي Read the rest of this entry

هل يمكن للصلاة أن تشفينا؟ (1\2)

بيولوجيا الصلاة:

هل يمكن للصلاة أن تشفينا؟

طوني صغبيني

*

(مترجمة عن مقال بالإنكليزية، منشور في مجلّة ميستيرا عدد 1، كانون الأول 2010)

*

الصلاة قد تكون أقدم فعل روحي في التاريخ، نجدها لدى جميع الحضارات، في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، من دون أي استثناء على الإطلاق. في زمننا “العلمي”، الصلاة هي الممارسة الروحية الأكثر “عناداً”، كأنها جزء من تكوين الإنسان نفسه. حين نواجه مرضاً خطيراً، معظمنا قد يجد نفسه يصلّي لكي يُشفى أو على الأقل لكى تقوى عزيمته ويتجاوز المحنة. لكن هل يمكن للصلاة فعلاً أن تشفينا؟ هل يمكن للصلاة فعلاً أن تحسّن صحّتنا؟

الدراسات العلمية الحديثة حول الصلة بين الروحانية والصلاة من جهة، والصحّة الفيزيائية من جهة أخرى، تُظهر في الواقع أن الإجابة على هذه الأسئلة، هي، للمفاجأة، نعم.

ماذا تقول الأبحاث العلميّة

 طوال القرن العشرين، تعامل الطبّ التقليدي مع الجسم البشري على أنه مجموع أعضاء منفصلة تمتلك كلّ منها أدوار بيولوجية محدّدة وتتفاعل مع بعضها البعض من خلال علاقات فيزيائية بحتة. الوعي، القوى النفسيّة والذهنية لم يكن لديها أي مكان في هذه المنظومة الطبّية، وتم بالتالي تهميش كل الطب الروحي البديل والشفاء المرتبط بآليات روحانية واعتُبرت كُلها على أنها لا تؤثر فعلياً على الصحّة.

 الاعتراف بالتأثيرات النفسية والذهنية على الجسم البيولوجي للإنسان كان عمليّة طويلة لم تكتمل بعد، بدأت أولى مراحلها في الخمسينات من القرن الماضي مع بروز الأبحاث حول “تأثير البلاسيبو” Placebo Effect[1]. لكن خلال السنوات الأخيرة فقط حتى بدأت المقاربات الطبيّة التي تعترف بالصلة بين الذهن والجسم تكتسب قبولاً متزايداً في الأوساط الطبّية.

الدراسات على التأثيرات الشفائية للصلاة هي اليوم محور الكثير من الجدل في المجتمع العلمي؛ بعض العلماء يعارضون المفهوم بالمطلق ويعتبرون أن أي بحث في هذا المجال هو مضيعة للموارد، آخرون يعتبرون أن دراسته هي مساهمة مهمّة للطبّ من حيث أنها تعزّز فهمنا لـ”الطاقات الدقيقة” للذهن والجسم البشريين التي تؤثر مباشرة على الصحّة.

المجموعة الأولى من العلماء تستشهد بدراسات خلصت إلى أن الصلوات لا تؤثر في الواقع على صحّة ممارسيها، مثل الدراسة التي أجراها ج.م آفيل على مجموعة من مرضى القلب[2] وتلك التي أجراها م.ك كورسوف على المرضى اللذين أجروا جراحة صدريّة[3]. الدراستان أظهرتا أنه لا يوجد تأثير ملموس على صحّة المرضى اللذين تلّقوا دعوات في الصلوات من آخرين.

لكن، من الملفت للنظر، أن كورسوف قال بعد الدراسة أن هذه الأبحاث ليست الكلمة النهائية في هذا الموضوع، مشيراً إلى أنه وجد مؤشرات إيجابية تستوجب المزيد من البحث. وشرح كورسوف أنه هنالك أساس نظري للشفاء عن بُعد عبر الصلاة قائلاً: “حين كان فيزياء الكوانتوم في طور التشكيل، كتب أينشتان عن تفاعلات غريبة بين الذرات عن بُعد. هذا يشكّل على الأقل بنية نظرية واحدة يمكن أن تدعم المقولات حول الشفاء عن بعد وتأثير الصلاة”[4].

من ناحية ثانية، هنالك أدلة متزايدة في الدراسات الطبّية مؤخراً إلى أن الصلاة تمتلك بالفعل تأثيراً إيجابياً.

...

في دراسة منهجّية حول الأبحاث الطبيّة في هذا المجال، ظهر أن 57 في المئة من الدراسات حول تأثير الصلاة على الصحّة خلُصت إلى أنه هنالك تأثير ملموس يمكن به قياس عمليات “شفاء عن بُعد”[5]. دراسة أخرى عالجت Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 3)*

قانون التجاذب.. باختصار أيضاً وأيضاً


الخمول بدل النمو الذاتي

وصفة “قانون التجاذب” من أجل تجنّب الأمراض والحوادث وجلب النجاح والمال والشهرة تكمن في معظم الأحيان في تقنية بسيطة: ترديد عبارات إيجابية تأكيدية Affirmations  من قبيل “أنا سعيدة، أنا سعيدة، أنا سعيدة”، و”لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال”. وهكذا، يعدنا دعاة قانون التجاذب بأننا إن رددنا هذه الجمل باقتناع وحرارة لدرجة كافية لإقناع عقلنا الباطني بها (ومعه الكون بأكمله أيضاً)، سوف نجد السعادة والمال (والسيارات) تتدفق إلينا كما نتمنى. من لم يقرأ كتب عن قانون التجاذب قد يعتقد أن في هذا المثال مبالغة، لذا ننصحه بالتقاط أي كتاب في هذا المجال للتأكد من ذلك مثل كتاب “السرّ”.

تقول روندا بايرن في هذا الكتاب أنه “سيكشف كيف يمكنك تغيير كل شيء في حياتك. كيف تستطيع تحويل ضعفك إلى قوّة، نفوذ، ووفرة غير محدودة وصحّة وسعادة”. إذاً، نستنتج أنه بدل التمرّن في النادي الرياضي كل يوم من أجل الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، يمكننا الاكتفاء صباحاً بترديد بضعة عبارات من قبيل “أنا بطل العالم في الرياضة، أنا بطل العالم، أنا بطل العالم” للحصول على نفس النتيجة؟ هنالك من يسمّي هذا الهراء بالـ”قانون”.

من هذه الناحية، يشجّع قانون التجاذب بنسخته التجارية على الخمول والاتكالية، لأنه يوهم الناس بأنهم يمكنهم الحصول على كل شيء يريدونه من دون جهد، ويعلّمهم أن معالجة أي مشكلة تتم عبر ترديد جملة “سحرية” بدل أن يشجّعهم على النهوض عن الكنبة وتغيير حياتهم فعلياً على أرض الواقع.

روحانية المال

الروحانية المادّية

إن قانون التجاذب بنسخته التجارية لا يمتّ للجانب الروحاني بأي صلة إذ إن دعاته يعدون الناس بأن تطبيق هذا القانون في حياتهم يجلب لهم منافع مادية لا علاقة لها بالنموّ الذاتي أو الروحي. تقول بيرن مثلاً في كتابها الثاني، “القوّة” (الذي يحمل نفس مضمون كتاب “السرّ” لكن بتعابير مختلفة):

“’القوّة’ هي كل شيء تريده. الصحّة المثالية، العلاقات الاستثنائية، مهنة تحبّها، حياة مليئة بالسعادة، والمال الذي تحتاجه لتكون وتفعل وتمتلك كل شيء أردته، كلّه يأتي من Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

فكرة قانون التجاذب... باختصار

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

طوني صغبيني

*

التقدم الكبير والمتوازي في علوم الكوانتوم وعلم الوعي الذي أظهر قدرة الذهن والنيّة الداخلية على التأثير على العالم الفيزيائي، يفتح الطريق اليوم لدخول مفاهيم جديدة إلى حياتنا ونظرتنا للأمور. من هذه المفاهيم التي تكتسب شعبية كبيرة مؤخراً على وقع هذا التقدّم هو “قانون التجاذب  (بالإنكليزية: Law of Attraction).

و”قانون التجاذب” بالمختصر هو مقولة ماورائية منبثقة عن تيار “الفكر الجديد”[1]، اكتسبت مؤخراً شعبية عالمية كبيرة مع بروز كتب مثل “السرّ” و”القوّة” وغيرهما. يقوم هذا القانون على فرضيّة أن “كل شيء يجذب إليه ما يشبهه”: التفكير الإيجابي يجذب الأمور الإيجابية إلى حياتنا والتفكير السلبي يجذب الأمور السلبية وهكذا دواليك. ورغم أنه يُعتبر مقولة روحية، إلا أن المقصود منه في معظم الأحيان هو النتائج المادية على الأرض لا النتائج الروحية.

وهذه المقولة هي اليوم إحدى أكثر المقولات شعبية التي تقدّم نفسها على أنها حقيقة روحية وجواب على كل ما يحصل لنا في الحياة؛ الكتب التي تتحدّث عنها مثل كتاب “السرّ” The Secret  لروندا بيرن و”درس في الأعاجيب” A course in miracles لهيلين شوكمان، باعت ملايين النسخ في كافة أنحاء العالم وتمت ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة. “قانون التجاذب” هو أيضاً من ركائز روحانية “العصر الجديد“، ويتم من خلاله في معظم الأحيان، تفسير طريقة عمل ممارسات الشفاء بالطاقة الرائجة اليوم مثل الريكي والتيتاهيلينغ وغيرها، كما يتم نسبه عن غير حقّ للمدارس الباطنية القديمة وتقديمه على أنه مبدأ سرّي تناقله الرسل والفلاسفة والمبدعين على مرّ التاريخ.

العديد من الباحثين الروحيين في إيامنا هذه، قد تتقاطع حياتهم عاجلاً ام آجلاً مع كتاب أو معلّم أو مدرسة ما تعدهم بكشف “السرّ” (الإسم الآخر لقانون التجاذب)، وقد يغريهم ذلك على تحويل قانون التجاذب إلى القانون الأعلى الذي يحكم حياتهم ونظرتهم للأمور. لا يوجد أي مشكلة في ذلك، فكل إنسان حرّ بمعتقداته وأفكاره، لكننا نودّ في هذه المقالات القصيرة أن نلفت النظر إلى الجانب الآخر من قانون التجاذب، وهذا الجانب يتمثلّ في أن القانون غير صالح من النواحي العمليّة، الفلسفية والروحية، بل إنه في العديد من الأحيان مدمّر نفسياً وروحياً…

“قانون التجاذب”: الجذور القديمة والنسخة الحديثة

لا بدّ من أن أشير أولاً إلى Read the rest of this entry

“الماء إلى نبيذ”: أهم تجارب الذهن-على-المادة في العالم – جزء 2\2

...

“الماء إلى نبيذ”:
أهم تجارب “الذهن على المادة” في العالم

الجزء الثاني: الورقة الصغيرة التي لمعت

طوني صغبيني

*

(مترجمة عن مقال بالإنكليزية لنفس الكاتب، منشور في مجلّة ميستيرا عدد 2، كانون الثاني\شباط 2011)

*

التجربة الأولى في مشروع ماك تاغارت حاولت زيادة الإنبعاثات الضوئية لورقة نباتيّة صغيرة عبر استعمال التركيز الذهني للمشاركين من أجل جعلها “تلمع وتلمع”. تم إجراء التجربة بمساعدة العالم البسيكولوجي دكتور غاري شوارتز الذي كان أوّل عالم يصوّر انبعاثات الضوء من الكائنات الحيّة (Biophotons) عبر نظام تصوير جديد فائق الدقة.

بعد تحليل النتائج، كشف د.شوارتز بأن التغيّرات في الانبعاثات الضوئية من الورقة التي أعطيت التركيز الذهني للمشاركين كانت قوية لدرجة أنه كان بالامكان رؤيتها بسهولة عبر نظام التصوير في المختبر. على الجهة الأخرى، جميع الثقوب الموضوعة تحت المُراقبة في الورقة الأخرى (التي لم يتم توجيه التركيز الذهني إليها) بقيت مظلمة.

تجربة أخرى حاولت تخفيض وتيرة بعض العمليّات البيولوجية الداخلية في أربعة أهداف حيّة: نوعين من الطحالب، نبتة وإنسان. تم استقدام 16 شخص من المتمرّسين في التأمل وطُلب منهم توجيه أفكارهم نحو هذه الأهداف الأربعة الموجودة في مختبر آخر على الجهة الأخرى من العالم في ألمانيا. النتائج أظهرت تغيّرات ملموسة في الأهداف الأربعة خلال وقت إرسال “النيّة”، بالمقارنة مع الوقت الذي كان فيه المتأمّلون يرتاحون.

التجارب على المياه أظهرت بدورها قدرة النيّة الذهنية على زيادة نسبة تركيز الضوء فيها، لكن التجارب التي حاولت تغيير البنية الجزيئية للماء لم تتوصّل إلى نتائج حاسمة.

تجربة أخرى مثيرة للجدل كانت تجربة “نيّة السلام” التي هدفت لتخفيض معدّلات العنف في شمال سيريلانكا الذي كان يشهد وقت إجراء التجربة حرباً أهلية منذ أكثر من 25 عام. شارك في التجربة عشرات آلاف المتطوعين من 65 دولة حول العالم. لكن النتيجة كانت مفاجئة. خلال الأسبوع الأوّل من إجراء التجربة، تصاعد العنف في شمال سيرلانكا إلى مستويات غير مسبوقة، ليعود في الأسبوع التالي لينخفض بشكل دراماتيكي غير مسبوق أيضاً. النزاع انتهى وتم توقيع اتفاقية سلام دائمة في العام نفسه.

قادة تجربة النوايا تمهّلوا في استخلاص العبر من التجربة وقالوا أننا بحاجة للمزيد من “تجارب السلام” لأن ما حدث في سيرلانكا يمكن أن يكون مصادفة، لكنه يمكن أن يكون أيضاً نتيجة تجربة النوايا الواسعة النطاق.

ماك تاغارت تعدّد بالإضافة إلى تجاربها العديد من التجارب في مختبرات أخرى التي أظهرت امكانيات واعدة لتحقيق انجازات كبرى في هذا المجال. أحد الأمثلة الملفتة للانتباه هي قدرة الذهن البشري على التأثير على الآلات، Read the rest of this entry

“الماء إلى نبيذ”: أهم تجارب الذهن-على-المادة في العالم – جزء 1\2

هل يستطيع الذهن التأثير على المادة؟

“الماء إلى نبيذ”:

أهم تجارب “الذهن على المادة” في العالم – الجزء الأوّل

طوني صغبيني

*

(مترجمة عن مقال بالإنكليزية لنفس الكاتب، منشور في مجلّة ميستيرا عدد 2، كانون الثاني\شباط 2011)

*

الحكمة القديمة حول العالم اعتنقت تاريخياً الفكرة القائلة بأن أفكارنا ونوايانا لديها قوّة ملموسة على العالم الفيزيائي بشكل يسمح للبشر أن يشاركوا في “خلق” عالمهم. اليوم، أكبر تجارب “الذهن على المادة” في العالم تظهر بأن الحكماء القدماء ربّما كانوا على حق كل هذا الوقت.

بالاعتماد على قوّة الانترنت، عملت المؤلفة والعالمة لين ماك تاغارت لسنوات مع أهم الفيزيائيين والدكاترة في العالم في أرقي الجامعات والمراكز البحثية لإجراء أوسع تجربة علميّة مخبرية هدفها فحص قدرة الذهن على إحداث تغيير في العالم الفيزيائي. هذه التجارب شارك فيها حتى الآن آلاف المتطوّعين من 30 دولة حول العالم.

المشاركة في التجارب كانت مفتوحة للجميع؛ الناس من بلدان مختلفة يمكن أن يشاركوا بها عبر التسجيل في صفحة الويب الخاصة بالتجربة  (theintentionexperiment.com)، يحصلون بعدها على التعليمات المناسبة حول كيفية مشاركتهم في التجربة. بعد ذلك، يتم تحديد موعد حيث يقوم كل المشاركين في الوقت نفسه، كل في منزله، بالتركيز ذهنياً على هدف محدّد في أحد المختبرات الجامعية التي تشارك بالبحث. هذا الهدف قد يكون كوب من الماء، نبتة، إنسان، آلة أو أي شيء آخر يمكن قياس تغيّرات فيزيائية فيه.

حتى اليوم، قامت “تجربة النوايا” بإجراء 19 اختبار Read the rest of this entry

“حقل النقطة صفر” Zero point Field

...

“حقل النقطة صفر”: المرتكزات النظريّة لعلم الوعي

طوني صغبيني

الأبحاث التي تدرس الوعي البشري تُسمّى عادة بالانكليزية Noetic Science، الترجمة العربية الأقرب لتلك الكلمة قد تكون “علم الوعي” أو “علم المعرفة الداخلية” بما أن الكلمة اليونانية الأصلية Noetic تعني “الحدس” أو “المعرفة الداخلية”. هذا النوع من الأبحاث ينطلق من افتراض أن الذهن قادر، بمفرده، على التأثير على العالم الفيزيائي المادّي وعلى الحصول على معلومات خارجية عبر “حواس” أخرى غير الحواس البيولوجية الخمسة.

الفرضيات التي ينطلق منها “علم الوعي” تتناغم مع العديد من نظريات فيزياء الكوانتوم التي تدرس الوجود على المستوى ما-دون-الذرّي. فيزيائيو الكوانتوم خرجوا منذ عشر سنوات حتى اليوم بالعديد من النظريات التي تستطيع قلب نظرتنا إلى العالم رأساً على عقب. وبما أنه لا يوجد مجال هنا للتوسّع في نظريات الكوانتوم، نورد في ما يلي أهم خلاصاتها بتعابير مبسّطة قدر المستطاع. تقول خلاصات نظريات الكوانتوم ما يلي:

–  المادة على المستويات ما-دون-الذرّية ليست في الواقع “مادّة”؛ أقرب وصف لها هو أنها “موجة”، أو “وتر” إن كنّا من مؤيدي نظرية الأوتار الفائقة.

–  المادة وفقاً لنظرية الكوانتوم، ليست ثابتة، فهي تتغيّر باستمرار على المستوى الكوانتومي (ما-دون-الذرّي) وتتغيّر ذبذباتها باستمرار.

–  بعض المكوّنات المادّية على المستوى الـ ما-دون-الذرّي يمكن أن تخلق من “العدم”، كما يمكن نظرياً لهذه المكونات أن تختفي كما ظهرت.

–  وفقاً للافتراضين الأخيرين، يمكن للمادة، قبل ظهورها كمادة، أن تكون موجودة “كإمكانية صافية” موجود في “عقل الحقل الكوانتومي” (المزيد حول هذا الأمر في الأسفل).

–  المادة نفسها، يمكن أن تكون موجودة في مكانين وزمانين مختلفين في الوقت نفسه[1].

–  المادة على المستوى الكوني، والتي تبدو كأنها مجموعات منفصلة من الأجرام، هي متشابكة ومترابطة في الواقع[2].

–  على المستوى الكوانتومي ما-دون-الذرّي. الحالة الكميّة (الكوانتومية لتسهيل اللغة) لأي شيء أو أي منظومة قد تكون مرتبطة أو قابلة للتأثر أو التأثير على، شيء أو منظومة أخرى، حتى ولو لم يكن هذان الشيئان-المنظومتان تمتلكان أي رابط مادي وفقاً للفيزياء التقليدية.

حسناً، الجمل السابقة قد تكون معقّدة قليلاً، فلنحاول أن نبسّطها سوية. Read the rest of this entry

هل الأديان كلها “واحد”*

...

طوني صغبيني

هنالك مقولة شهيرة حول الأديان نسمعها منذ الصِغَر وفي كلّ مكان؛ مقولة تجزم بأن الأديان كلها “واحد”، وأن جميعها تدعو إلى نفس الأمور الأخلاقية، تؤدي في نهاية المطاف إلى نفس النتيجة كما تحقّق نفس الغاية. المقولة هذه شعبية في أوساط الأديان السماوية التي تستعملها لتخفيف التوتّر والصراع التاريخي بين أتباعها، كما أنها المقولة المفضّلة للتيارات الفكرية المادّية والإلحادية التي ترى أن كلّ الأديان ليست سوى وسيلة للسيطرة على الشعوب وتخديرها. لكن هل جميع الأديان تقود فعلاً إلى نفس الغاية؟ فلنبحث قليلاً في هذا السؤال المحرّم.

حين ندرس الأديان لا يمكننا سوى أن نلاحظ أنه هنالك تشابه شكلي كبير بين معظم الأديان حول العالم، لكن هذا التشابه الشكلي، في رأينا المتواضع، لا يعكس تشابهاً في المضمون بل العكس.

معظم مدارس الحكمة القديمة تعتبر أنه في زمن الخطوات الأولى للجنس البشري على هذه الأرض، كان الإنسان يمتلك دين عالمي واحد ضاع مع الوقت في غياهب الصراعات والإنهيارات والفهم الخاطىء والتشتت الجغرافي للبشر في كافة أصقاع الأرض. تؤمن هذه النظرة بأن جميع الأديان الحالية تحمل بين طيّاتها القليل من حروف ذاك الدين المنسي، من دون أن تحمل أي منها حقيقته المطلقة. الفرضية القديمة هذه تعترف بالاختلاف الكبير بين الأديان لكنها ترى أنه يمكن تجاوز ذلك بإعادة إدراك الدين القديم الواحد.

بعيداً عن الفرضيات الباطنيّة القديمة، من الناحية الروحية، القول أن كلّ الأديان لها غاية واحدة أو أنها تعبد نفس الخالق هو اختزال لا يعبّر عن الواقع.

يقول الباحث في علم الأديان، ستيفن بروثيرو، مؤلف كتاب “الله ليس واحد“، أن الأديان تختلف لأن الأسئلة الأساسية التي طرحتها هي أسئلة مختلفة؛ فالمسيحية تساءلت عن كيفية تحقيق الخلاص من الخطيئة الأصليّة، والهندوسية تساءلت عن كيفية الانتهاء من دورة تناسخ الأرواح، والبوذية انطلقت من التساؤل حول كيفية التغلّب على المعاناة، وكل منها خرجت في نهاية المطاف بجواب مختلف، بممارسات مختلفة، وبوسيلة فكرية ودينية مختلفة.

الأديان الحيّة في العالم اليوم ليست واحد؛ لا في أسئلتها، لا في أجوبتها، لا في غايتها ولا في فلسفتها ولا في بنيتها العامة. وإن كان هنالك من تشابه، فالتشابه هو بين كل مجموعة من الأديان على حدة: هنالك تشابه كبير مثلاً بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية، وهنالك تشابه بين الأديان الدارمية، لكن هنالك اختلاف شاسع بين عائلتي الأديان التوحيدية والأديان الدارمية.

الأديان الإبراهيمية يجمعها التوحيد – الإيمان بإله واحد له صفات معروفة، يجمعها وجود كتب مقدّسة تُعتبر أنها كلام الله أو وحي منه، ويجمعها فكرة وجود نبي-رسول واحد وأولياء صالحين غيره، كما تشترك في فلسفتها الثنائية القائمة على الثواب والعقاب، الجنّة والنار والخير والشر. بالإضافة إلى ذلك كله، تشترك هذه الأديان بوجود مؤسسة دينية مركزية تقتصر على الرجال. هذه الأمور كلها، التي تُعتبر أحياناً أنها مشتركة بين كل الأديان، هي في الواقع مشتركة فقط بين الأديان التوحيدية وبعض الأديان الدارمية كالهندوسية الفيدانتية (توحيديّة).

معظم الأديان الأخرى حول العالم لا تمتلك نصوص “منزلة” Read the rest of this entry

تديّن غير اعتيادي*

...

تديّن غير اعتيادي*
*

طوني صغبيني

*

الثقافة السائدة في البلدان العربيّة اليوم تقوم على نسخة واحدة من الروحانية، هي ما يمكن أن نسمّيه “التديّن الرسمي” التقليدي. وهذا النوع من التديّن له قواعد وأشكال معروفة، منها شكلية مثل إداء الفروض الدينية والصلوات والصوم وما إلى هنالك، ومنها إيمانيّة متعلّقة بالإيمان الكامل بأسس وتعاليم الدين الذي ينتمي إليه الشخص. لكن، في بلادنا أيضاً، كما حول العالم، هنالك أشكال أخرى من “التديّن” (أو بتعبير أدقّ “الروحانية”) قد تبدو غريبة جداً للوهلة الأولى أو غير منطقية بالنسبة لمعظمنا، منها مثلاً اعتناق أكثر من دين في الوقت نفسه، ووجود تديّن روحي من دون الانتماء لأي دين.

معظم الشعوب القديمة لم تعرف حدود بين دين وآخر، حتى أنه في معظم اللغات القديمة لم يكن هنالك من كلمة مرادفة لكلمة “دين”. الأديان اليونانية والفارسية والبابلية والسومرية والكنعانية والهندية والرومانية والجرمانية لا أسماء لها مثلاً في لغاتها الأصلية. ويعود هذا الغياب لسببين رئيسيين: السبب الأول هو أن الدين في الحياة القديمة لم يكن جزءً منفصلاً عن الحياة المدنية بل أحد مكوناتها الأساسية وبالتالي لم يكن هنالك من حاجة لإطلاق أي اسم عليه، والسبب الثاني هو أن القدماء لم يعتبروا أنهم ينتمون إلى أديان مختلفة.

النقطة الأخيرة تستحقّ التوسّع بها لأنها تختلف كثيراً عمّا نعرفه اليوم في الأديان الحديثة؛ القدماء اعتبروا أن الجميع يعرف المقدّس ويجلّه لكن تحت أسماء وأشكال مختلفة، لذلك أديانهم لم تعرف التركيز على صحّة العقيدة وعلى المرتكزات الأيدولوجية للإيمان لأنها بكل بساطة لم تكن أديان عقائدية-أيدولوجية بل أديان عضوية تطوّرت بشكل طبيعي منذ الأنفاس الأوّلى للإنسان الأوّل على هذه الأرض. كانت الناس بالتالي حرّة في اختيار آلهتها وعباداتها وتقديم تصوّرها الخاص للمقدّس؛ كان يمكن للمصري أن يعبد إلهة كنعانية ويعتنق التصوّر الكنعاني للحياة كما كان يمكن لليوناني ان يعبد آلهة مصرية ويعتنق التصوّر المصري للحياة، وكان يمكن لهؤلاء أن يعبدوا كل الآلهة وأن يعتنقوا كل التصورات في نفس الوقت إن رأوا أن ذلك يناسبهم، ولم يكن هنالك مؤسسة دينية تقوم على فكرة “محاسبتهم” أو “إعادتهم إلى الصراط المستقيم”.

هذه الطريقة بالمزج الديني معروفة بالـ Syncretism (“التوفيقية” بالعربية لكن الترجمة غير دقيقة) في حال كانت النتيجة النهائية هي مزج العقائد والممارسات الدينية المختلفة في عقيدة\ممارسة واحدة، وهي معروفة بالـ Eclecticism (او “الانتقائية” بالعربية) في حال كان الشخص يقوم باختيار عدّة عناصر من أديان مختلفة من دون مزجها في عقيدة\ممارسة واحدة.

والأمرين كانا يتمّان بطريقة فردية كما كانا يحصلان أحياناً بطريقة رسمية كما في العهد الهيلليني حيث تم مزج الديانات اليونانية، الكنعانية، الفارسية، البابلية والمصرية في ممارسة هيللينية واحدة عبر المتوسّط.

المزج الديني لا يزال موجود بقوّة اليوم في العديد من التقاليد الدينية (حتى تلك المتعارضة مع بعضها) مثل Read the rest of this entry