أرشيف المدونة

الحياة الواعية

العين التي ترى كل شيء هي الذات المطلقة

أدون

الحياة بعد الاستيقاظ لا تشبه الحياة قبل ذلك سوى بالإسم. الفارق الأساسي هو أن العيش ينتقل من كونه أوتوماتيكي، ينتقل من كونه ردّة فعل وتلقّي للحياة، إلى كونه واعي، هادف وإرادي. هذا لا يعني بالضرورة أن الإنسان المستيقظ هو الذي يشاكس تيّار الحياة كل يوم، بل يعني في معظم الوقت العكس تماماً: الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع الحياة مهما وضعت من عراقيل وصعوبات في طريقه. هو الذي يقبل الأحداث الجيدة والأحداث السيئة في أيامه من دون أن يفقد توازنه أو ينكسر أمام أي حدث. هو القادر على الاستمتاع بكل لحظة في حياته أينما كان وكيفما كان من دون أن يعني ذلك رضوخه لما لا يمكن الرضوخ له.

الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع نفسه والذي يعرف نفسه جيداً؛ يعرف من أين تأتي أحاسيسه ومشاعره وأفكاره وكيف تستطيع أن تؤثر عليه وأن يؤثر عليها؛ يعرف نقاط قوته وضعفه ويعرف كيفية استعمالها والتصالح معها. الإنسان المستيقظ هو الذي يعرف كيف Read the rest of this entry

Advertisements

اليقظة الذهنية (2\3)

...

تطوير اليقظة في الحياة اليومية

التأمل هو الممارسة الأساسية التي تتيح لنا تدريب أذهاننا وتعزيز يقظتنا وحضورتنا. لكن التأمل، رغم بساطته، هو ممارسة شاقّة بالنسبة للعديدين منّا. لذلك هنالك طرق أخرى إلى جانب التأمل تساعدنا على تطوير اليقظة في الحياة اليومية؛ من المهم أن نتذكّر أن اليقظة هي مسألة سلوك أولاً وأخيراً وليست موهبة فطرية ولا ألاعيب ذهنيّة معقّدة ولا تقنيّة باطنية تحتاج لتدريبات مكثّفة. اليقظة هي سلوك ذهني واعي.

أساليب تطوير اليقظة بسيطة جداً، تبدأ من اختيار عمل أو ممارسة ما وتوجيه كامل انتباهنا إليها خلال القيام بها، تطوير مواقف ذهنية محدّدة واستعمال منبّهات اليقظة التي تذكّرنا بإعادة انتباهنا إلى هنا الآن حين يشرد ذهننا.

*

الانتباه واليقظة في أفعالنا اليومية

معلّمي التأمل يقترحون على تلاميذهم عادة ألا يكتفوا بالتأمل ويأملوا أن تؤثر تلك الممارسة بشكل أوتوماتيكي على حياتهم، بل يدعوهم لكي يمارسوا اليقظة الواعية في كل أفعالهم اليومية. يمكن للتلميذ في هذه الحالة أن يبدأ باختيار مهمة أو فعل محدّد وأن يحاول قدر مستطاعه أن يقوم به بكامل انتباهه، بوعي زائد عن العادة، من دون أن يسمح لذهنه بالشرود في أي شيء آخر.

الطرق البسيطة للبدء بالتجارب مع حالة اليقظة يمكن أن تكون عبر:

  • –  تناول وجبة على مهل، من دون أي إلهاء محيطي كالتلفزيون أو الراديو أو الكمبيوتر. لاحظ(ي) كيف يختلف الأمر حين نوجّه وعينا وانتباهنا الكامل للطعام الذي نأكله.
  • –  عدم فعل أي شيء على الإطلاق لخمس دقائق. ابحث(ي) عن مقعد مريح أو استلقي على السرير، اطفأ(ي) الهاتف، أغلق(ي) الباب..ألخ. لاحظ(ي) الآن ماهيّة الأمر حين تركّز(ي) انتباهك فقط على عمليّة التنفس، الشهيق والزفير. هل تستطيع(ين) أن تمرّن(ي) ذهنك ليقوم بذلك لخمس دقائق كاملة من دون أن يفقد صبره؟
  • –  قم بأعمالك الاعتيادية اليومية مثل القيادة، الاستحمام، غسل الصحون، الرياضة، الدرس، الرقص وحتى تنظيف الأسنان، كأنك تقوم بها وتكتشفها للمرّة الأولى. أجلب انتباهك للفعل الذي تقوم به؛ ما هي الأحاسيس الفيزيائية التي تشعر بها هنا الآن، ما هي الأفكار التي تمرّ في ذهنك هنا الآن، كيف يقوم عقلك بتقييم التجربة والتعامل معها؟
  • –  خصّص(ي) عدّة دقائق لتقوم(ي) بنشاط بدني محدّد مثل التليين، الرقص، الرياضة، اليوغا، حركات القتال..ألخ، لكن هذه المرّة بدل أن تقوم(ي) بها بطريقة أوتوماتيكية، أجلب(ي) كامل انتباهك إلى عمليّة التنفّس والأحاسيس الفيزيائية في الجسد، كل حركة بحركتها. في مرحلة لاحقة حاول(ي) أن تكون(ي) أكثر وعياً لكيفية تفاعل جسدك وذهنك مع كل حركة.
  • –  مارس(ي) الحديث الواعي، Read the rest of this entry

عدد 4: من النوم إلى اليقظة

من النوم إلى اليقظة: الاستيقاظ الذهني والروحي

اسكندرية-415، العدد الرابع

الاستيقاظ والتنوّر كلمتان نسمعهما كثيراً في السياق الروحي لكن غالباً ما يبقى معناهما غامضاً، مستتراً أو حتى مشوّشاً. وهذا الغموض طبيعي بسبب عدّة عوامل أوّلها أن “الاستيقاظ” الحقيقي والكامل، كما كل تجربة روحية عميقة، هو أمر من الصعب جداً وصفه بالكلمات، إنه حالة حيّة تُختبر بما هو أبعد من الجسد، حالة أبعد من الحواس ومن النفس ومن العقل، وهي بالتالي أبعد من الوصف بكل معنى الكلمة.

العامل الثاني الذي يساهم في هذا الغموض قد يكون جهل صاحب النصّ بموضوع الاستيقاظ الروحي، إذ إن الاستيقاظ ليس مجرّد تجربة روحية أخرى نعيشها للحظات ونعود بعدها إلى حياتنا الطبيعية، وهو ليس “رؤية” روحية أو مجرّد صوت يخاطبنا في البرّية؛ الاستيقاظ هو تجربة نادرة جداً تغيّر مفهوم الذات وعلاقتنا بذاتنا وبكل شيء من حولنا بشكل جذري وتقلب الطريقة التي نرى بها العالم رأساً على عقب. والاستيقاظ هو بالتالي تجربة قد تدمّر الشخص كما قد تحييه. لكن العديد من المقالات التي يمكن أن نصادفها على الانترنت والتي تتحدّث عن الاستيقاظ الروحي ليس لها علاقة بالاستيقاظ الروحي لا من قريب ولا من بعيد. كما أن العديد من الأشخاص اللذين يدّعون انهم “استيقظوا” ويتحدّثون ويتباهون بتجربتهم ليلاً نهاراً، لا يعرفون من الاستيقاظ الروحي سوى الاسم لأن اللذين يستيقظون فعلاً لن يشعروا بالحاجة للتبجّح بذلك ولن يستطيعوا التحدّث عنه بالكلمات.

العامل الثالث الذي يساهم في غموض هذا المفهوم، والذي أجده شخصياً الأهم، هو عدم التمييز السائد بين الأنواع المختلفة من الاستيقاظ وعدم المعرفة بأن هنالك اختلاف لا يستهان به لهذا المفهوم بين العديد من المدارس الروحية.

فلنعرّف إذاً ما هو الاستيقاظ الروحي والذهني. الاستيقاظ، في السياق الروحي، هو تفتّح الذات على بُعد جديد لم تكن تعرفه سابقاً والعيش من بعد ذلك على ضوء الحقيقة الجديدة؛ هذا البعد قد يكون طاقوياً كاكتشاف الجسم الطاقوي للإنسان أو تنمية قدرة معيّنة كالشعور بتذبذبات الطاقة، وقد يكون استيقاظ نحو البعد الروحي-الأثيري يتيح التأكد من وجود بُعد أبعد من الجسد، مثل اختبار الخروج من الجسد أو التخاطر وما شابه، ويمكن أن يكون استيقاظ تجاه بعد ديني ما-ورائي مثل اكتشاف طاقة روحية أو الله-إله-إلهة معيّنة، كما يمكن أخيراً أن يكون استيقاظ تجاه “الحقيقة”، أي حين تُفتح نافذة أمام الذات لاختبار الحقيقة الأسمى بشكل مباشر بحيث تذوب الذات الفردية ويبقى فقط الجوهر، البعد اللانهائي الخارج عن الزمان والمكان، وهو ما يُطلق عليه في السياق الابراهيمي وصف “التوحّد مع الله”، وفي الدين الهندوسي “النيرفانا” وفي الدين البوذي “الفراغ”.

طبعاً يعود لكل شخص أن يصدّق أو لا يصدّق هذه التجارب، لكنها بالنسبة للذين يختبرونها تجارب حقيقية تحدث كل يوم لآلاف الأشخاص حول الكوكب. ما يجب أن نعرفه في هذا المجال هو أن النوع الأخير من الاستيقاظ الروحي، “التوحّد”، هو الأكثر ندرة على الإطلاق وربّما يحدث لشخص واحد فقط بين كل مليار نسمة. الأنواع الأخرى من “الاستيقاظ” نادرة أيضاً لكن ليس بنفس المقدار.

كيف يمكن أن نحقّق إذاً الإستيقاظ الروحي الحقيقي؟

من الواضح عند دراسة هذا الموضوع أنه لا يوجد قاعدة محدّدة لذلك؛ هنالك عوامل تسهّل هذه العملية بطبيعة الحال لكن لا يوجد أي ممارسة تضمن حصول ذلك بشكل قاطع. العوامل التي يمكن أن تهيّأ الشخص أو تدفعه فجأة تجاه تجربة روحية عميقة تشمل التأمل، اليوغا وما شابهها من طقوس جسدية-روحية مثل الرقص الصوفي، العزلة الروحية، الصوم المطوّل، الموسيقى والرقص، الجنس، الحوادث المفاجئة القريبة من الموت Near Death Experiences (مثل الخروج المفاجىء من الجسد خلال حادث سيارة، أو حصول تخاطر ذهني مع شخص بعيد في اللحظة التي تسبق الموت وهي الآلية نفسها التي تتيح لأمّ مثلاً أن تشعر بحصول مكروه لأولادها ولو كانوا على الطرف الآخر من الكوكب). كذلك يهيأ “الاستيقاظ الذهني”  أرضيّة خصبة لاختبار الأبعاد الطاقوية والروحية المرهفة في الوجود.

لكن من المهم أن نعرف أن كل هذه الطرق لا تضمن حصول الاستيقاظ الروحي بمعناه الكامل، كما سبق وقلنا، حتى ولو كانت آلاف المواقع الالكترونية تدّعي عكس ذلك. والسبب في الحقيقة هو بسيط؛ كل شخص على هذه الأرض هو كامل روحياً وقابل لاختبار البعد الأسمى بشكل مباشر من دون وساطة أي شخص آخر أو أي تقنيّة، والباقي تفاصيل. والدليل على ذلك هو أنه هنالك تجارب روحية حصلت في أغرب الأوقات لناس عاديين لم يقوموا بأي ممارسة روحية أو يخضعوا لأي تدريب ذهني في حياتهم؛ منهم خاضوا استيقاظهم الروحي حين كانوا يستقلّون سيارة الأجرة، منهم استيقظوا حين كان يمشون في الشارع أو يجلسون في اجتماع عمل في المكتب. أحد أشهر المؤلفين في المجال الروحي، إيكهارت توللي، خاض استيقاظه الروحي حين كان في أسوأ حالاته؛ أحد أهم معلّمي التأمل في العقد الحالي، ستيفان بوديان، قضى 10 سنوات في التأمل في دير بوذي من دون أن يعيش تجربة روحية، ثم عاش الاستيقاظ الروحي كاملاً حين كان يقود سيارته عائداً إلى منزله في يوم لم يتوقعه أبداً. مؤسّس الديانة البوذية، سيدارتا غوتاما بوذا عاش ست سنوات في تدريب روحي قاسٍ من دون أن يختبر أي تجربة روحية، لكنه عاش أهم تجاربه على الإطلاق، “التنوّر”، في اللحظة التي أخذ فيها صحن طعام متواضع من امرأة محسنة أشفقت على حالته.

الاستيقاظ الروحي إذاً لا يتطلّب تدريب أو استعداد مسبق (حتى ولو كان ذلك يساعد احياناً)، كما أنه يمكن أن يحصل لأشخاص روحانيين وغير روحانيين، ويمكن أن يكون مفهوماً من قبل الشخص الذي عاشها ويمكن ألا يعرف هذا الشخص ماذا حصل له (وقد يعتقد حتّى أنه على شفير الجنون). لذلك، من الصعب جداً الحديث عن هذا النوع من الاستيقاظ في هذا العدد، ومن غير الصادق القول أنه هنالك تقنية معيّنة يمكن أن تساعد أحد على التوصّل للاستيقاظ الكامل. هنالك حالات تأملية معيّنة قد تساعد قليلاً في إزاحة الستار عن هذه التجربة سنصف أحدها في مقال خاص لكنها لن تكون بالنسبة لمعظم من يخوضها سوى تجربة تأملية لا طائل منها.

الأنواع الأخرى من التجارب الروحية، خاصة تلك التي تحصل على المستوى الطاقوي-الأثيري، يمكن أن يتم التحضير لها من خلال تدريب معيّن، لكنها ليست مجال هذا العدد من اسكندرية-415 لأسباب كثيرة. ما يهمّنا أن نتحدّث عنه في هذا العدد هو “الاستيقاظ الذهني” لأنه يمكن للجميع أن يستفيد منه بغض النظر عن معتقداته أو ميوله الروحية.

وحين نقول “الاستيقاظ الذهني”، نحن نعني قيام الشخص بتنمية درجة الوعي الذهني لديه بحيث يصبح متنبّها وواعياً لكل شيء يحصل في كونه الداخلي وفي كونه الخارجي. هذا ما يطلق عليه بالانكليزية Mindfulness؛ الترجمة الحرفية إلى العربية هي “اليقظة الذهنية”، لكن الكلمة الأدق روحياً هي “الحضور”. الاستيقاظ الذهني هو إذاً حصيلة نموّ هذا الوعي، هو “اليقظة”، هو “الحضور” الدائم. “الحضور” يشكّل حداً فاصلاً بين الحياة الأوتوماتيكية المتلقيّة والحياة الواعية المتوثّبة وهو حجر أساس في أي ممارسة روحيّة بنّاءة. لكل هذه الأسباب، اخترنا أن يكون الاستيقاظ الذهني والروحي محور العدد الرابع من اسكندرية-415.

بالإضافة إلى آليات تعزيز “الحضور” التي سنتحدّث عنها بشكل مفصّل، يتضمّن العدد مقدّمة صغيرة لتعلّم التأمل مع مساهمة صغيرة من شاعرنا الروميّ (التي أرسلها بالبريد منذ نحو ألف عام :p) حول “الحضور”.

أتمنى أن يكون العدد مفيد لكم.

هذا الموضوع كما كل مواضيع المدوّنة مفتوح للمساهمات الفنّية والكتابيّة وغيرها، يمكن إرسال المساهمات على البريد التالي

tsaghbiny [at] gmail.com

*

فهرس مواضيع العدد الرابع:

–          تطوير اليقظة الذهنية (1\3)

–          تطوير اليقظة الذهنية (2\3)

–          تطوير اليقظة الذهنية (3\3)

–          الحضور بكلمات ابن الرومي

–          التناول الواعي للطعام

–          التأمّل: مقدّمة قصيرة

–          التأمّل: المنافع ونصائح عامة

–          التأمّل: تعلّم الممارسة الأولى

–          13 نصيحة عمليّة للحياة الواعية

–          على درب اليقظة الروحية: من أنا؟

–          الحياة الواعية