Category Archives: مقالات رأي

الحياة الواعية

العين التي ترى كل شيء هي الذات المطلقة

أدون

الحياة بعد الاستيقاظ لا تشبه الحياة قبل ذلك سوى بالإسم. الفارق الأساسي هو أن العيش ينتقل من كونه أوتوماتيكي، ينتقل من كونه ردّة فعل وتلقّي للحياة، إلى كونه واعي، هادف وإرادي. هذا لا يعني بالضرورة أن الإنسان المستيقظ هو الذي يشاكس تيّار الحياة كل يوم، بل يعني في معظم الوقت العكس تماماً: الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع الحياة مهما وضعت من عراقيل وصعوبات في طريقه. هو الذي يقبل الأحداث الجيدة والأحداث السيئة في أيامه من دون أن يفقد توازنه أو ينكسر أمام أي حدث. هو القادر على الاستمتاع بكل لحظة في حياته أينما كان وكيفما كان من دون أن يعني ذلك رضوخه لما لا يمكن الرضوخ له.

الإنسان المستيقظ هو المتصالح مع نفسه والذي يعرف نفسه جيداً؛ يعرف من أين تأتي أحاسيسه ومشاعره وأفكاره وكيف تستطيع أن تؤثر عليه وأن يؤثر عليها؛ يعرف نقاط قوته وضعفه ويعرف كيفية استعمالها والتصالح معها. الإنسان المستيقظ هو الذي يعرف كيف Read the rest of this entry

Advertisements

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 3)*

قانون التجاذب.. باختصار أيضاً وأيضاً


الخمول بدل النمو الذاتي

وصفة “قانون التجاذب” من أجل تجنّب الأمراض والحوادث وجلب النجاح والمال والشهرة تكمن في معظم الأحيان في تقنية بسيطة: ترديد عبارات إيجابية تأكيدية Affirmations  من قبيل “أنا سعيدة، أنا سعيدة، أنا سعيدة”، و”لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال”. وهكذا، يعدنا دعاة قانون التجاذب بأننا إن رددنا هذه الجمل باقتناع وحرارة لدرجة كافية لإقناع عقلنا الباطني بها (ومعه الكون بأكمله أيضاً)، سوف نجد السعادة والمال (والسيارات) تتدفق إلينا كما نتمنى. من لم يقرأ كتب عن قانون التجاذب قد يعتقد أن في هذا المثال مبالغة، لذا ننصحه بالتقاط أي كتاب في هذا المجال للتأكد من ذلك مثل كتاب “السرّ”.

تقول روندا بايرن في هذا الكتاب أنه “سيكشف كيف يمكنك تغيير كل شيء في حياتك. كيف تستطيع تحويل ضعفك إلى قوّة، نفوذ، ووفرة غير محدودة وصحّة وسعادة”. إذاً، نستنتج أنه بدل التمرّن في النادي الرياضي كل يوم من أجل الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، يمكننا الاكتفاء صباحاً بترديد بضعة عبارات من قبيل “أنا بطل العالم في الرياضة، أنا بطل العالم، أنا بطل العالم” للحصول على نفس النتيجة؟ هنالك من يسمّي هذا الهراء بالـ”قانون”.

من هذه الناحية، يشجّع قانون التجاذب بنسخته التجارية على الخمول والاتكالية، لأنه يوهم الناس بأنهم يمكنهم الحصول على كل شيء يريدونه من دون جهد، ويعلّمهم أن معالجة أي مشكلة تتم عبر ترديد جملة “سحرية” بدل أن يشجّعهم على النهوض عن الكنبة وتغيير حياتهم فعلياً على أرض الواقع.

روحانية المال

الروحانية المادّية

إن قانون التجاذب بنسخته التجارية لا يمتّ للجانب الروحاني بأي صلة إذ إن دعاته يعدون الناس بأن تطبيق هذا القانون في حياتهم يجلب لهم منافع مادية لا علاقة لها بالنموّ الذاتي أو الروحي. تقول بيرن مثلاً في كتابها الثاني، “القوّة” (الذي يحمل نفس مضمون كتاب “السرّ” لكن بتعابير مختلفة):

“’القوّة’ هي كل شيء تريده. الصحّة المثالية، العلاقات الاستثنائية، مهنة تحبّها، حياة مليئة بالسعادة، والمال الذي تحتاجه لتكون وتفعل وتمتلك كل شيء أردته، كلّه يأتي من Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 2)*

بحلوها ومرّها، نفتح ذراعينا للحياة!

تجنّب الحياة بدل التعلّم منها

رغم أن روحانية العصر الجديد تزعم أنها استخلصت قانون التجاذب من الحكمة القديمة، إلا أنها تأخذه في اتجاه معاكس تماماً. الحكمة القديمة تعلّمنا أنه علينا قبول الحياة بوجهيها، حلوها ومرّها، جيّدها وسيّئها، وأخذ الدروس من مختلف التجارب التي نتعرّض لها في الحياة. وهي تعلّمنا أننا كأفراد، مسؤولين، لا عن أحداث الحياة، بل عن كيفية التعامل معها.

وفقاً للمدارس القديمة والمنطق البديهي، ما يحصل لنا في الحياة غير مرتبط بإرادتنا وحدها بل بملايين الخيارات الفردية والجماعية الأخرى التي لا حصر لها والتي ربما بدأت تتسلسل قبل ولادتنا. الهدف الأخير وفقاً للحكمة القديمة هو تعلّم الدروس من الحياة، معرفة الذات وتنميتها وإرساء الفضيلة في أعماقها، والدروس هذه لا يمكن تعلّمها من دون أيام صعبة ومن دون اختبار الحياة بكافة أوجهها. لذا كان الحكماء يعتقدون أن الحياة تعطينا ما نحتاجه تماماً لننمو، الظروف الأصعب هي في الواقع الفرصة الأمثل للتعلّم والنموّ. حين يفكّر كلّ منّا في حياته، سيجد أننا نتعلّم الدروس الأكثر أهمية من الصعوبات التي نمرّ بها لا من الأيام السهلة التي نعيشها؛ نحن ندين للتحدّيات في حياتنا أكثر بكثير مما ندين للأمور السهلة. الحياة السهلة التي لا يوجد فيها تحديات لا تعلّمنا شيئاً، ويحصل عليها من لا يريدون تعلّم شيء في حياتهم الحالية على الأرض. الاديب اللبناني-الأميركي جبران خليل جبران (1883 – 1931) يعبّر عن هذه الحكمة في جملة جميلة، يقول: “من المعاناة خرجت أقوى الأرواح؛ أعظم الوجوه هي تلك المكويّة بالندبات”.

طرح قانون التجاذب ينقض كلّ هذه الرؤية التي يدّعي أنه ينبثق منها. دعاة قانون التجاذب يدعون الناس للتفكير الإيجابي المطلق بهدف تجنّب كل الأمور السيّئة في الحياة؛ تجنّب المرض، تجنّب الحزن، تجنّب الفقر وتجنّب كل الحوادث السيئة. وهذه نظرة غير واقعية لأن أمور مثل التألم، المرض، الحزن، الغضب، الإحباط والموت، هي جزء لا يتجزأ من الوجود ولا يمكن تجاوزها، كما أن أحداث الحياة  والمشاعر المرتبطة بها ليست مجموعات من السمك “نجذبها” إلينا عبر صنّارة النيّة.

قانون التجاذب من هذه الناحية يدعو أتباعه للهروب من الحياة ومن الأمور الصعبة فيها بدل أن يعلّمهم كيفية مواجهتها والتعلّم منها. لكن ما هي إجابة “قانون التجاذب” إذا استمرّ الشخص بالتعرّض لظروف سيئة؟ الجواب: Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

فكرة قانون التجاذب... باختصار

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

طوني صغبيني

*

التقدم الكبير والمتوازي في علوم الكوانتوم وعلم الوعي الذي أظهر قدرة الذهن والنيّة الداخلية على التأثير على العالم الفيزيائي، يفتح الطريق اليوم لدخول مفاهيم جديدة إلى حياتنا ونظرتنا للأمور. من هذه المفاهيم التي تكتسب شعبية كبيرة مؤخراً على وقع هذا التقدّم هو “قانون التجاذب  (بالإنكليزية: Law of Attraction).

و”قانون التجاذب” بالمختصر هو مقولة ماورائية منبثقة عن تيار “الفكر الجديد”[1]، اكتسبت مؤخراً شعبية عالمية كبيرة مع بروز كتب مثل “السرّ” و”القوّة” وغيرهما. يقوم هذا القانون على فرضيّة أن “كل شيء يجذب إليه ما يشبهه”: التفكير الإيجابي يجذب الأمور الإيجابية إلى حياتنا والتفكير السلبي يجذب الأمور السلبية وهكذا دواليك. ورغم أنه يُعتبر مقولة روحية، إلا أن المقصود منه في معظم الأحيان هو النتائج المادية على الأرض لا النتائج الروحية.

وهذه المقولة هي اليوم إحدى أكثر المقولات شعبية التي تقدّم نفسها على أنها حقيقة روحية وجواب على كل ما يحصل لنا في الحياة؛ الكتب التي تتحدّث عنها مثل كتاب “السرّ” The Secret  لروندا بيرن و”درس في الأعاجيب” A course in miracles لهيلين شوكمان، باعت ملايين النسخ في كافة أنحاء العالم وتمت ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة. “قانون التجاذب” هو أيضاً من ركائز روحانية “العصر الجديد“، ويتم من خلاله في معظم الأحيان، تفسير طريقة عمل ممارسات الشفاء بالطاقة الرائجة اليوم مثل الريكي والتيتاهيلينغ وغيرها، كما يتم نسبه عن غير حقّ للمدارس الباطنية القديمة وتقديمه على أنه مبدأ سرّي تناقله الرسل والفلاسفة والمبدعين على مرّ التاريخ.

العديد من الباحثين الروحيين في إيامنا هذه، قد تتقاطع حياتهم عاجلاً ام آجلاً مع كتاب أو معلّم أو مدرسة ما تعدهم بكشف “السرّ” (الإسم الآخر لقانون التجاذب)، وقد يغريهم ذلك على تحويل قانون التجاذب إلى القانون الأعلى الذي يحكم حياتهم ونظرتهم للأمور. لا يوجد أي مشكلة في ذلك، فكل إنسان حرّ بمعتقداته وأفكاره، لكننا نودّ في هذه المقالات القصيرة أن نلفت النظر إلى الجانب الآخر من قانون التجاذب، وهذا الجانب يتمثلّ في أن القانون غير صالح من النواحي العمليّة، الفلسفية والروحية، بل إنه في العديد من الأحيان مدمّر نفسياً وروحياً…

“قانون التجاذب”: الجذور القديمة والنسخة الحديثة

لا بدّ من أن أشير أولاً إلى Read the rest of this entry

هل الأديان كلها “واحد”*

...

طوني صغبيني

هنالك مقولة شهيرة حول الأديان نسمعها منذ الصِغَر وفي كلّ مكان؛ مقولة تجزم بأن الأديان كلها “واحد”، وأن جميعها تدعو إلى نفس الأمور الأخلاقية، تؤدي في نهاية المطاف إلى نفس النتيجة كما تحقّق نفس الغاية. المقولة هذه شعبية في أوساط الأديان السماوية التي تستعملها لتخفيف التوتّر والصراع التاريخي بين أتباعها، كما أنها المقولة المفضّلة للتيارات الفكرية المادّية والإلحادية التي ترى أن كلّ الأديان ليست سوى وسيلة للسيطرة على الشعوب وتخديرها. لكن هل جميع الأديان تقود فعلاً إلى نفس الغاية؟ فلنبحث قليلاً في هذا السؤال المحرّم.

حين ندرس الأديان لا يمكننا سوى أن نلاحظ أنه هنالك تشابه شكلي كبير بين معظم الأديان حول العالم، لكن هذا التشابه الشكلي، في رأينا المتواضع، لا يعكس تشابهاً في المضمون بل العكس.

معظم مدارس الحكمة القديمة تعتبر أنه في زمن الخطوات الأولى للجنس البشري على هذه الأرض، كان الإنسان يمتلك دين عالمي واحد ضاع مع الوقت في غياهب الصراعات والإنهيارات والفهم الخاطىء والتشتت الجغرافي للبشر في كافة أصقاع الأرض. تؤمن هذه النظرة بأن جميع الأديان الحالية تحمل بين طيّاتها القليل من حروف ذاك الدين المنسي، من دون أن تحمل أي منها حقيقته المطلقة. الفرضية القديمة هذه تعترف بالاختلاف الكبير بين الأديان لكنها ترى أنه يمكن تجاوز ذلك بإعادة إدراك الدين القديم الواحد.

بعيداً عن الفرضيات الباطنيّة القديمة، من الناحية الروحية، القول أن كلّ الأديان لها غاية واحدة أو أنها تعبد نفس الخالق هو اختزال لا يعبّر عن الواقع.

يقول الباحث في علم الأديان، ستيفن بروثيرو، مؤلف كتاب “الله ليس واحد“، أن الأديان تختلف لأن الأسئلة الأساسية التي طرحتها هي أسئلة مختلفة؛ فالمسيحية تساءلت عن كيفية تحقيق الخلاص من الخطيئة الأصليّة، والهندوسية تساءلت عن كيفية الانتهاء من دورة تناسخ الأرواح، والبوذية انطلقت من التساؤل حول كيفية التغلّب على المعاناة، وكل منها خرجت في نهاية المطاف بجواب مختلف، بممارسات مختلفة، وبوسيلة فكرية ودينية مختلفة.

الأديان الحيّة في العالم اليوم ليست واحد؛ لا في أسئلتها، لا في أجوبتها، لا في غايتها ولا في فلسفتها ولا في بنيتها العامة. وإن كان هنالك من تشابه، فالتشابه هو بين كل مجموعة من الأديان على حدة: هنالك تشابه كبير مثلاً بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية، وهنالك تشابه بين الأديان الدارمية، لكن هنالك اختلاف شاسع بين عائلتي الأديان التوحيدية والأديان الدارمية.

الأديان الإبراهيمية يجمعها التوحيد – الإيمان بإله واحد له صفات معروفة، يجمعها وجود كتب مقدّسة تُعتبر أنها كلام الله أو وحي منه، ويجمعها فكرة وجود نبي-رسول واحد وأولياء صالحين غيره، كما تشترك في فلسفتها الثنائية القائمة على الثواب والعقاب، الجنّة والنار والخير والشر. بالإضافة إلى ذلك كله، تشترك هذه الأديان بوجود مؤسسة دينية مركزية تقتصر على الرجال. هذه الأمور كلها، التي تُعتبر أحياناً أنها مشتركة بين كل الأديان، هي في الواقع مشتركة فقط بين الأديان التوحيدية وبعض الأديان الدارمية كالهندوسية الفيدانتية (توحيديّة).

معظم الأديان الأخرى حول العالم لا تمتلك نصوص “منزلة” Read the rest of this entry

معبر إلى الكون*

تأمل عند المغيب

معبر إلى الكون

*

الكاتب: هاني نعيم

*

الذات. هي المعبر إلى الكون. ذلك النداء الكونيّ الذي ينتاب أي كائن، لا يُمكن احتوائه. خوض التجربة الروحيّة، ذاتيّاً، هو تجريد العلاقة مع المقدّس من كل الأشكال الطقسيّة الجامدة، وإخراجها من النصوص، إلى فضاء التوحّد الكوني المقدّس.

***

الجانب الروحي موجود في كلّ كائن. وليس بالضرورة أن يكون عليه برهان علمي كي نُقرّ بوجوده، وليس بحاجة إلى “نص مقدّس” يؤكّد وجوده. هو ذلك الشعور العميق بأنّك جزء من منظومة مقدّسة، تتراقص على إيقاع التناغم الكوني.

***

التأمل هو أحد الدروب الروحيّة التي تساعد على خوض هذه التجربة. هي حالة انتقال من “النوم إلى الاستيقاظ”. استيقاظ الحواس. الذهن. هو الحضور الكامل: بالذهن، الروح، والحواس.

التأمل يزيد من اتصال الإنسان بكل ما يجري حوله.

***

يحدث أن نندهش لوجود الشمس، وضوئها. مجرّد وجودها دهشة لا تحتمل. خوض التجربة الروحيّة يشد الإنتباه إلى وجود الشمس الرائع التي تمدّنا بالدفء، والضوء، والتوازن. وهذا ما يجعل الإنسان أكثر اقتراباً منها، وكأنّه أحد خيوطها.

***

التجربة الروحيّة تُعيد إلى الذات بعض من الدهشة التي تُفتقد في هذا الزمن الباهت. Read the rest of this entry

تديّن غير اعتيادي*

...

تديّن غير اعتيادي*
*

طوني صغبيني

*

الثقافة السائدة في البلدان العربيّة اليوم تقوم على نسخة واحدة من الروحانية، هي ما يمكن أن نسمّيه “التديّن الرسمي” التقليدي. وهذا النوع من التديّن له قواعد وأشكال معروفة، منها شكلية مثل إداء الفروض الدينية والصلوات والصوم وما إلى هنالك، ومنها إيمانيّة متعلّقة بالإيمان الكامل بأسس وتعاليم الدين الذي ينتمي إليه الشخص. لكن، في بلادنا أيضاً، كما حول العالم، هنالك أشكال أخرى من “التديّن” (أو بتعبير أدقّ “الروحانية”) قد تبدو غريبة جداً للوهلة الأولى أو غير منطقية بالنسبة لمعظمنا، منها مثلاً اعتناق أكثر من دين في الوقت نفسه، ووجود تديّن روحي من دون الانتماء لأي دين.

معظم الشعوب القديمة لم تعرف حدود بين دين وآخر، حتى أنه في معظم اللغات القديمة لم يكن هنالك من كلمة مرادفة لكلمة “دين”. الأديان اليونانية والفارسية والبابلية والسومرية والكنعانية والهندية والرومانية والجرمانية لا أسماء لها مثلاً في لغاتها الأصلية. ويعود هذا الغياب لسببين رئيسيين: السبب الأول هو أن الدين في الحياة القديمة لم يكن جزءً منفصلاً عن الحياة المدنية بل أحد مكوناتها الأساسية وبالتالي لم يكن هنالك من حاجة لإطلاق أي اسم عليه، والسبب الثاني هو أن القدماء لم يعتبروا أنهم ينتمون إلى أديان مختلفة.

النقطة الأخيرة تستحقّ التوسّع بها لأنها تختلف كثيراً عمّا نعرفه اليوم في الأديان الحديثة؛ القدماء اعتبروا أن الجميع يعرف المقدّس ويجلّه لكن تحت أسماء وأشكال مختلفة، لذلك أديانهم لم تعرف التركيز على صحّة العقيدة وعلى المرتكزات الأيدولوجية للإيمان لأنها بكل بساطة لم تكن أديان عقائدية-أيدولوجية بل أديان عضوية تطوّرت بشكل طبيعي منذ الأنفاس الأوّلى للإنسان الأوّل على هذه الأرض. كانت الناس بالتالي حرّة في اختيار آلهتها وعباداتها وتقديم تصوّرها الخاص للمقدّس؛ كان يمكن للمصري أن يعبد إلهة كنعانية ويعتنق التصوّر الكنعاني للحياة كما كان يمكن لليوناني ان يعبد آلهة مصرية ويعتنق التصوّر المصري للحياة، وكان يمكن لهؤلاء أن يعبدوا كل الآلهة وأن يعتنقوا كل التصورات في نفس الوقت إن رأوا أن ذلك يناسبهم، ولم يكن هنالك مؤسسة دينية تقوم على فكرة “محاسبتهم” أو “إعادتهم إلى الصراط المستقيم”.

هذه الطريقة بالمزج الديني معروفة بالـ Syncretism (“التوفيقية” بالعربية لكن الترجمة غير دقيقة) في حال كانت النتيجة النهائية هي مزج العقائد والممارسات الدينية المختلفة في عقيدة\ممارسة واحدة، وهي معروفة بالـ Eclecticism (او “الانتقائية” بالعربية) في حال كان الشخص يقوم باختيار عدّة عناصر من أديان مختلفة من دون مزجها في عقيدة\ممارسة واحدة.

والأمرين كانا يتمّان بطريقة فردية كما كانا يحصلان أحياناً بطريقة رسمية كما في العهد الهيلليني حيث تم مزج الديانات اليونانية، الكنعانية، الفارسية، البابلية والمصرية في ممارسة هيللينية واحدة عبر المتوسّط.

المزج الديني لا يزال موجود بقوّة اليوم في العديد من التقاليد الدينية (حتى تلك المتعارضة مع بعضها) مثل Read the rest of this entry