Category Archives: مفاهيم

ماعات: مفتاح الدين المصري القديم

تصوّر معاصر لماعات: الحقيقة، العدالة، التوازن، النظام والأخلاق

حين يعلموننا الدين المصري القديم في المدارس الثانوية في العالم العربي، غالباً ما يركّز الدرس على أن محور هذا الدين يتمثّل في فكرة أن “الفرعون هو الإله” وأن المصريين القدماء كانوا سعداء لأنهم كانوا يؤمنون بحياة ثانية بعد الموت. هذا الطرح ليس مبسّط ومجتزأ فحسب، بل هو مسيء للتراث الروحي المصري القديم. لذلك سنتحدّث اليوم عن المفتاح الأساسي الذي يمكّننا من فهم الدين المصري القديم ونظرته للحياة والكون. سنتحدّث عن “ماعات” Ma’at.

“ماعات” مفهوم معقّد هو محور الدين المصري والنظرة المصرية للوجود؛ الكلمة لا يوجد لها ترجمة دقيقة لأنها تعني أكثر من أمر في وقت واحد. “ماعات” هي “الحقيقة”، “العدالة”، “النظام” و”التوازن” في الوقت نفسه، كما تعني أحياناً “القيام بالتصرّف الصحيح – الخيّر” وفقاً للسياق اللغوي الذي تأتي به. “ماعات” كانت تُعتبر إلهة رئيسية في الدين المصري كما كانت تُعتبر مفهوماً مجرّداً يصف النظام الكوني المرتّب والمتوازن. وهي بذلك القوّة التي تحرّك الكون باتجاه التوازن والحقيقة والعدالة كما أنها هي هذا التوازن الكوني والحقيقة مجسّدة.

ماعات هي بالتالي النظام الثابت الأزلي للعالم، وتنطبق على المنظومات الفيزيائية كالكون والكواكب كما على المنظومات الحيّة كممالك الحيوانات والمجتمع البشري. وُجدت “ماعات”، أو النظام الكوني، وفقاً للدين المصري القديم منذ لحظة الخلق الأولى، وُلدت فوق محيط الفوضى اللانهائية التي تشكّل اليوم الفضاء الأسود. من دونها يخسر العالم تناسقه وتوازنه وعدالته. “ماعات”، وفقاً للاعتقاد المصري، مهدّدة باستمرار من العديد من قوى الفوضى والدمار، لذلك من واجبات البشر المساهمة في حفظ معات وتقويتها. وهذا هو الجوهر المحرّك للدين المصري القديم.

التصوّر المصري التقليدي لماعات

الوظيفة الرئيسية لمعظم أرباب مجمع الآلهة المصري هي حفظ ماعات على مستوى الكون والطبيعة؛ هذا التوازن الدقيق الذي نراه في الطبيعة هو نتيجة عملهم وتناغمهم سوية. أما البشر، فيعني مفهوم “ماعات” بالنسبة لهم أنه عليهم أن يتعلموا التعاون والتعايش مع بعضهم بعضاً، أن يضعوا الحقيقة مثالاً أعلى في حياتهم، وأن يتعلموا التوازن أيضاً، لا بينهم وبين الآخرين فحسب بل مع Read the rest of this entry

Advertisements

السحر: الحقيقة حول أقدم فنون البشر

...

“السحر” كان أقدم المحاولات البشرية الرامية لفهم العلاقة المتبادلة بين الإنسان، الطبيعة والمقدّس، وهو أيضاً أولى المجالات التي اكتشف فيها الإنسان قدرته الذهنية الهائلة. النظرة إلى السحر وتعريف الكلمة تطوّرا كثيراً عبر التاريخ حتى بتنا اليوم نستعمل الكلمة لندلّ على كل شيء خارج عن المألوف. السحر يشكّل جزء أساسي من معظم أديان العالم وضمنها الأديان التي تحرّمه وتطلق عليه تعابير سلبية مثل “الشعوذة” وما شابه ذلك. وهو كذلك جزء من الثقافة الشعبية التي لديها العديد من الممارسات السحرية مثل “الرقيّة” الشفائية التي تمارسها كل جدّاتنا تقريباً. في المقابل، معظم الأوساط العلميّة ترى أن كل الأمور المرتبطة بالسحر هي خرافات وترّهات. لكن السحر في الواقع، من وجهة نظر ممارسيه الحقيقيين، يختلف بشكل جذري عن كل هذه الصور النمطية الموجودة اليوم في أذهان معظم الناس.

بعدما استعرضنا في مقالتي “تجربة النوايا” و”حقل النقطة صفر“، الخلفيّة العلميّة والتجريبية التي تثبت قدرة الذهن والإرادة البشرية على التأثير على الواقع الفيزيائي، قد تتغيّر نظرتنا تجاه السحر، وسنراه على أنه، ليس ممكناً فحسب، بل هو يحدث في الواقع ضمن قوانين الطبيعة وليس “خارقاً” للطبيعة بالمعنى التقليدي للكلمة. فهم هذا الأمر أيضاً يسهّل علينا استيعاب كيفية نشأة السحر عبر التاريخ ولماذا كان ولا يزال يلعب أهمية كبيرة في المجتمع، وإن تغيّرت أسماؤه بين مرحلة وأخرى.

حول العالم، هنالك عدد كبير من الحالات المثبتة لأشخاص امتلكوا قدرات “خارقة للطبيعة”، منها شفائي، منها تنبؤي، ومنها يشبه السحر السينمائي مثل القدرة على تحريك الأشياء عن بعد، الرؤية عن بعد، الخروج من الجسد، التخاطر،…ألخ. وهنالك سحرة امتلكوا شهرة عالمية عبر قدراتهم ومزاعمهم، مثل داهش اللبناني، وأليستر كراولي البريطاني. كما هنالك منظّمات غامضة اشتُهرت بممارساتها الباطنية والسحرية مثل “المنظمة الهرمسيّة للفجر الذهبي” The hermetic order of the Golden dawn . واليوم، هنالك العديد من التيارات الروحية المعاصرة مثل الويكا والفودو، التي يشكّل السحر أحد مرتكزاتها الأساسية. هنالك أيضاً كمّ هائل من الكتب “السحرية” التي تعد القارىء بتحقيق أمور “خارقة للطبيعة” من خلال ممارسات بسيطة يمكن لأي كان القيام بها. رغم هذه “العودة” للسحر خلال القرنين الأخيرين، لا يزال هنالك العديد من المفاهيم الخاطئة حوله، كما هنالك العديد من الخرافات التي تحيط به. فما هو السحر إذاً من وجهة نظر مممارسيه الذين يعتبرونه ممارسة روحية، دينية أو باطنية اعتيادية؟

 يُعتبر أليستر كراولي أحد أهم الأشخاص الذين عملوا على موضوع السحر خلال العصر الحديث. يعرّف كراولي السحر بالقول أنه “علم وفنّ تغيير الواقع ليتماشى مع المشيئة (الإرادة)”[1]. الكاتبة البريطانية ديون فورتون تقول بطريقة مشابه أن السحر هو أنه “فن وعلم التسبب بتغيّرات في الوعي وفقاً للإرادة”[2].

الورقة الأولى من الأركانا الكبرى للتاروت، "الساحر".

الإرادة إذاً، وفقاً لمدارس السحر التقليدية، هي عنصر رئيسي في أي عمل سحري. والمقصود بالعمل السحري هنا هو العمل الروحي العالي أو “الخارق للطبيعة” وهو بذلك مختلف عن السحر المسرحي أو ألعاب الخفّة. يشرح كراولي آلية عمل السحر التقليدي بالقول أن “كل تغيير في الطبيعة هو نتيجة ممارسة قوّة ما على شيء محدّد بالطريقة الصحيحة”. وبما أن أي عمل إرادي هو ممارسة لقوّة من نوع أو من آخر، فإن هذه القوّة قادرة، وفقاً للسحر، على إحداث تغيير، لا فقط في الجانب الروحي والنفسي للشخص الذي يمارسه (وهذا هو الهدف الأساسي من السحر التقليدي)، لكن أيضاً في الواقع الفيزيائي.

لذلك، المهمّة الرئيسية لأي تلميذ في منظّمة سحرية هي Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 3)*

قانون التجاذب.. باختصار أيضاً وأيضاً


الخمول بدل النمو الذاتي

وصفة “قانون التجاذب” من أجل تجنّب الأمراض والحوادث وجلب النجاح والمال والشهرة تكمن في معظم الأحيان في تقنية بسيطة: ترديد عبارات إيجابية تأكيدية Affirmations  من قبيل “أنا سعيدة، أنا سعيدة، أنا سعيدة”، و”لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال”. وهكذا، يعدنا دعاة قانون التجاذب بأننا إن رددنا هذه الجمل باقتناع وحرارة لدرجة كافية لإقناع عقلنا الباطني بها (ومعه الكون بأكمله أيضاً)، سوف نجد السعادة والمال (والسيارات) تتدفق إلينا كما نتمنى. من لم يقرأ كتب عن قانون التجاذب قد يعتقد أن في هذا المثال مبالغة، لذا ننصحه بالتقاط أي كتاب في هذا المجال للتأكد من ذلك مثل كتاب “السرّ”.

تقول روندا بايرن في هذا الكتاب أنه “سيكشف كيف يمكنك تغيير كل شيء في حياتك. كيف تستطيع تحويل ضعفك إلى قوّة، نفوذ، ووفرة غير محدودة وصحّة وسعادة”. إذاً، نستنتج أنه بدل التمرّن في النادي الرياضي كل يوم من أجل الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، يمكننا الاكتفاء صباحاً بترديد بضعة عبارات من قبيل “أنا بطل العالم في الرياضة، أنا بطل العالم، أنا بطل العالم” للحصول على نفس النتيجة؟ هنالك من يسمّي هذا الهراء بالـ”قانون”.

من هذه الناحية، يشجّع قانون التجاذب بنسخته التجارية على الخمول والاتكالية، لأنه يوهم الناس بأنهم يمكنهم الحصول على كل شيء يريدونه من دون جهد، ويعلّمهم أن معالجة أي مشكلة تتم عبر ترديد جملة “سحرية” بدل أن يشجّعهم على النهوض عن الكنبة وتغيير حياتهم فعلياً على أرض الواقع.

روحانية المال

الروحانية المادّية

إن قانون التجاذب بنسخته التجارية لا يمتّ للجانب الروحاني بأي صلة إذ إن دعاته يعدون الناس بأن تطبيق هذا القانون في حياتهم يجلب لهم منافع مادية لا علاقة لها بالنموّ الذاتي أو الروحي. تقول بيرن مثلاً في كتابها الثاني، “القوّة” (الذي يحمل نفس مضمون كتاب “السرّ” لكن بتعابير مختلفة):

“’القوّة’ هي كل شيء تريده. الصحّة المثالية، العلاقات الاستثنائية، مهنة تحبّها، حياة مليئة بالسعادة، والمال الذي تحتاجه لتكون وتفعل وتمتلك كل شيء أردته، كلّه يأتي من Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 2)*

بحلوها ومرّها، نفتح ذراعينا للحياة!

تجنّب الحياة بدل التعلّم منها

رغم أن روحانية العصر الجديد تزعم أنها استخلصت قانون التجاذب من الحكمة القديمة، إلا أنها تأخذه في اتجاه معاكس تماماً. الحكمة القديمة تعلّمنا أنه علينا قبول الحياة بوجهيها، حلوها ومرّها، جيّدها وسيّئها، وأخذ الدروس من مختلف التجارب التي نتعرّض لها في الحياة. وهي تعلّمنا أننا كأفراد، مسؤولين، لا عن أحداث الحياة، بل عن كيفية التعامل معها.

وفقاً للمدارس القديمة والمنطق البديهي، ما يحصل لنا في الحياة غير مرتبط بإرادتنا وحدها بل بملايين الخيارات الفردية والجماعية الأخرى التي لا حصر لها والتي ربما بدأت تتسلسل قبل ولادتنا. الهدف الأخير وفقاً للحكمة القديمة هو تعلّم الدروس من الحياة، معرفة الذات وتنميتها وإرساء الفضيلة في أعماقها، والدروس هذه لا يمكن تعلّمها من دون أيام صعبة ومن دون اختبار الحياة بكافة أوجهها. لذا كان الحكماء يعتقدون أن الحياة تعطينا ما نحتاجه تماماً لننمو، الظروف الأصعب هي في الواقع الفرصة الأمثل للتعلّم والنموّ. حين يفكّر كلّ منّا في حياته، سيجد أننا نتعلّم الدروس الأكثر أهمية من الصعوبات التي نمرّ بها لا من الأيام السهلة التي نعيشها؛ نحن ندين للتحدّيات في حياتنا أكثر بكثير مما ندين للأمور السهلة. الحياة السهلة التي لا يوجد فيها تحديات لا تعلّمنا شيئاً، ويحصل عليها من لا يريدون تعلّم شيء في حياتهم الحالية على الأرض. الاديب اللبناني-الأميركي جبران خليل جبران (1883 – 1931) يعبّر عن هذه الحكمة في جملة جميلة، يقول: “من المعاناة خرجت أقوى الأرواح؛ أعظم الوجوه هي تلك المكويّة بالندبات”.

طرح قانون التجاذب ينقض كلّ هذه الرؤية التي يدّعي أنه ينبثق منها. دعاة قانون التجاذب يدعون الناس للتفكير الإيجابي المطلق بهدف تجنّب كل الأمور السيّئة في الحياة؛ تجنّب المرض، تجنّب الحزن، تجنّب الفقر وتجنّب كل الحوادث السيئة. وهذه نظرة غير واقعية لأن أمور مثل التألم، المرض، الحزن، الغضب، الإحباط والموت، هي جزء لا يتجزأ من الوجود ولا يمكن تجاوزها، كما أن أحداث الحياة  والمشاعر المرتبطة بها ليست مجموعات من السمك “نجذبها” إلينا عبر صنّارة النيّة.

قانون التجاذب من هذه الناحية يدعو أتباعه للهروب من الحياة ومن الأمور الصعبة فيها بدل أن يعلّمهم كيفية مواجهتها والتعلّم منها. لكن ما هي إجابة “قانون التجاذب” إذا استمرّ الشخص بالتعرّض لظروف سيئة؟ الجواب: Read the rest of this entry

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

فكرة قانون التجاذب... باختصار

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1)*

طوني صغبيني

*

التقدم الكبير والمتوازي في علوم الكوانتوم وعلم الوعي الذي أظهر قدرة الذهن والنيّة الداخلية على التأثير على العالم الفيزيائي، يفتح الطريق اليوم لدخول مفاهيم جديدة إلى حياتنا ونظرتنا للأمور. من هذه المفاهيم التي تكتسب شعبية كبيرة مؤخراً على وقع هذا التقدّم هو “قانون التجاذب  (بالإنكليزية: Law of Attraction).

و”قانون التجاذب” بالمختصر هو مقولة ماورائية منبثقة عن تيار “الفكر الجديد”[1]، اكتسبت مؤخراً شعبية عالمية كبيرة مع بروز كتب مثل “السرّ” و”القوّة” وغيرهما. يقوم هذا القانون على فرضيّة أن “كل شيء يجذب إليه ما يشبهه”: التفكير الإيجابي يجذب الأمور الإيجابية إلى حياتنا والتفكير السلبي يجذب الأمور السلبية وهكذا دواليك. ورغم أنه يُعتبر مقولة روحية، إلا أن المقصود منه في معظم الأحيان هو النتائج المادية على الأرض لا النتائج الروحية.

وهذه المقولة هي اليوم إحدى أكثر المقولات شعبية التي تقدّم نفسها على أنها حقيقة روحية وجواب على كل ما يحصل لنا في الحياة؛ الكتب التي تتحدّث عنها مثل كتاب “السرّ” The Secret  لروندا بيرن و”درس في الأعاجيب” A course in miracles لهيلين شوكمان، باعت ملايين النسخ في كافة أنحاء العالم وتمت ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة. “قانون التجاذب” هو أيضاً من ركائز روحانية “العصر الجديد“، ويتم من خلاله في معظم الأحيان، تفسير طريقة عمل ممارسات الشفاء بالطاقة الرائجة اليوم مثل الريكي والتيتاهيلينغ وغيرها، كما يتم نسبه عن غير حقّ للمدارس الباطنية القديمة وتقديمه على أنه مبدأ سرّي تناقله الرسل والفلاسفة والمبدعين على مرّ التاريخ.

العديد من الباحثين الروحيين في إيامنا هذه، قد تتقاطع حياتهم عاجلاً ام آجلاً مع كتاب أو معلّم أو مدرسة ما تعدهم بكشف “السرّ” (الإسم الآخر لقانون التجاذب)، وقد يغريهم ذلك على تحويل قانون التجاذب إلى القانون الأعلى الذي يحكم حياتهم ونظرتهم للأمور. لا يوجد أي مشكلة في ذلك، فكل إنسان حرّ بمعتقداته وأفكاره، لكننا نودّ في هذه المقالات القصيرة أن نلفت النظر إلى الجانب الآخر من قانون التجاذب، وهذا الجانب يتمثلّ في أن القانون غير صالح من النواحي العمليّة، الفلسفية والروحية، بل إنه في العديد من الأحيان مدمّر نفسياً وروحياً…

“قانون التجاذب”: الجذور القديمة والنسخة الحديثة

لا بدّ من أن أشير أولاً إلى Read the rest of this entry

“حقل النقطة صفر” Zero point Field

...

“حقل النقطة صفر”: المرتكزات النظريّة لعلم الوعي

طوني صغبيني

الأبحاث التي تدرس الوعي البشري تُسمّى عادة بالانكليزية Noetic Science، الترجمة العربية الأقرب لتلك الكلمة قد تكون “علم الوعي” أو “علم المعرفة الداخلية” بما أن الكلمة اليونانية الأصلية Noetic تعني “الحدس” أو “المعرفة الداخلية”. هذا النوع من الأبحاث ينطلق من افتراض أن الذهن قادر، بمفرده، على التأثير على العالم الفيزيائي المادّي وعلى الحصول على معلومات خارجية عبر “حواس” أخرى غير الحواس البيولوجية الخمسة.

الفرضيات التي ينطلق منها “علم الوعي” تتناغم مع العديد من نظريات فيزياء الكوانتوم التي تدرس الوجود على المستوى ما-دون-الذرّي. فيزيائيو الكوانتوم خرجوا منذ عشر سنوات حتى اليوم بالعديد من النظريات التي تستطيع قلب نظرتنا إلى العالم رأساً على عقب. وبما أنه لا يوجد مجال هنا للتوسّع في نظريات الكوانتوم، نورد في ما يلي أهم خلاصاتها بتعابير مبسّطة قدر المستطاع. تقول خلاصات نظريات الكوانتوم ما يلي:

–  المادة على المستويات ما-دون-الذرّية ليست في الواقع “مادّة”؛ أقرب وصف لها هو أنها “موجة”، أو “وتر” إن كنّا من مؤيدي نظرية الأوتار الفائقة.

–  المادة وفقاً لنظرية الكوانتوم، ليست ثابتة، فهي تتغيّر باستمرار على المستوى الكوانتومي (ما-دون-الذرّي) وتتغيّر ذبذباتها باستمرار.

–  بعض المكوّنات المادّية على المستوى الـ ما-دون-الذرّي يمكن أن تخلق من “العدم”، كما يمكن نظرياً لهذه المكونات أن تختفي كما ظهرت.

–  وفقاً للافتراضين الأخيرين، يمكن للمادة، قبل ظهورها كمادة، أن تكون موجودة “كإمكانية صافية” موجود في “عقل الحقل الكوانتومي” (المزيد حول هذا الأمر في الأسفل).

–  المادة نفسها، يمكن أن تكون موجودة في مكانين وزمانين مختلفين في الوقت نفسه[1].

–  المادة على المستوى الكوني، والتي تبدو كأنها مجموعات منفصلة من الأجرام، هي متشابكة ومترابطة في الواقع[2].

–  على المستوى الكوانتومي ما-دون-الذرّي. الحالة الكميّة (الكوانتومية لتسهيل اللغة) لأي شيء أو أي منظومة قد تكون مرتبطة أو قابلة للتأثر أو التأثير على، شيء أو منظومة أخرى، حتى ولو لم يكن هذان الشيئان-المنظومتان تمتلكان أي رابط مادي وفقاً للفيزياء التقليدية.

حسناً، الجمل السابقة قد تكون معقّدة قليلاً، فلنحاول أن نبسّطها سوية. Read the rest of this entry

الأديان والروحانيات حول العالم – الجزء الثالث

خلال طقس وثني حديث في أوروبا الشرقية

8)      الأديان الوثنية الحديثة: الأديان الوثنية الحديثة هي الأديان المستمدّة من الأديان الوثنية القديمة أو تلك التي تسعى لإعادة إحيائها، والتي بدأت بالظهور تدريجياً ابتداءً من القرن التاسع عشر. وهنالك أربع فئات رئيسية تندرج ضمن إطار الوثنية الحديثة وهي: الويكا (دين وثني تم إشهاره على يد جيرالد غاردنر في بريطانيا في خمسينات القرن الماضي)، وحركات إعادة الإحياء Reconstructionism التي تسعى لإعادة إحياء الأديان القديمة مثل الديانة الكيميتية (إعادة إحياء الدين المصري القديم)، الهيللنيسموس (إعادة إحياء الدين اليوناني)، ريليجيو رومانا (إعادة إحياء الدين الروماني)، الهيثينية (إعادة إحياء الأديان الجرمانية) ونطيب قادش (إعادة إحياء الدين الكنعاني). الفئة الثالثة هي الحركات الوثنية التي تستوحي من الأديان الوثنية القديمة لكنها تختلف عنها في بعض الأمور وتندرج الدرويدية ضمن هذا الإطار. أما الفئة الرابعة فهي تشمل العدد الأكبر من الوثنيين الحديثين وهي الفئة “الإنفرادية” التي تختار العناصر التي تريد اعتناقها وتمزج بين تقليد أو أكثر من الأديان الوثنية القديمة وبالتالي لا تنتمي إلى تقليد واحد محدد باستثناء الدين الوثني العام. ويُقدر عدد أتباع الوثنية الحديثة حول العالم بمليون وينتشرون بشكل خاص في الولايات المتحدة، شمال أوروبا وحوض المتوسط.

9)      النيو آيج (العصر الجديد): هي حركة روحانية غير منظمة بدأت بالظهور ابتداءً من ستينات القرن العشرين في الولايات المتحدة. وتجمع هذه الروحانية عناصر من مختلف الأديان وتستعير الكثير من المفاهيم من الأديان الشرقية مثل الهندوسية والبوذية، وكذلك من علم النفس، الطب البديل والباراسيكولوجيا. هنالك العديد من طروحات “العصر الجديد” التي تستوحي أيضاً من حركات إحياء المدارس الباطنية القديمة في القرن التاسع عشر، وخاصة الثيوصوفية، الأنتروبوصوفية ومدرسة جورج غوردجييف، بالإضافة إلى العديد من المعلّمين الهنود الذين زاروا الغرب خلال تلك الفترة. يتم توجيه العديد من الانتقادات لروحانية العصر الجديد كونها استعارت الكثير من الأديان والعلوم الأخرى ووضعتها في سياق خاص بها. وتعبير “العصر الجديد” يعني العصر النجمي القادم (الذي يبدأ بين عامي 2011 و2014) وهو عصر الدلو. تجمع هذه الروحانية اليوم نحو 5 ملايين شخص حول العالم.

10)      الأديان التوحيدية الأخرى: هنالك عدد من الأديان التوحيدية الأخرى غير الأديان الإبراهيمية الثلاث، منها قديم مثل السامريين (طائفة منشقة عن اليهودية)، والصابئة اللذين كانوا منتشرين بشكل خاص في العراق، ومنها ما هو جديد مثل Read the rest of this entry

الأديان والروحانيات حول العالم – الجزء الثاني

خلال طقس فودون وهو من الأديان الأفريقية في المهجر

4)      الأديان الأصلية التقليدية: يُطلق اسم الأديان الأصليّة التقليدية (Indigenous traditional religions) على أديان الشعوب الأصلية التي تم تناقلها شفهياً منذ ما قبل التاريخ والتي ما زالت تُمارس حتى اليوم في أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض مناطق آسيا وأستراليا. وتندرج معتقدات هذه الأديان ضمن إطار الإرواحية ووحدة الوجود وتعدّد الآلهة في الوقت نفسه. ولا تمتلك مؤسسات دينية رسمية أو أنبياء أو كتب مقدّسة. يترأس طقوسها في العادة “شامان” يتم تدريبه(ا) مدى الحياة لكي يضطلع بمسؤولياته الدينية في القبيلة\القرية. يشكّل الإيمان بالتواصل مع الأسلاف والأرواح بشكل عام، واعتماد أساليب الشفاء الروحي والسحر سمات مشتركة بين هذه الأديان. وهنالك اليوم نحو 300 مليون شخص حول العالم ينتمون للأديان الأصلية لشعوبهم.

5)      الأديان الأفريقية في الدياسبورا: الأديان الأفريقية في المهجر هي الأديان المستمدّة من الأديان الأفريقية التقليدية التي تطوّرت في الأميركيتين في أوساط العبيد الذين تم استقدامهم من أفريقيا ويمارسها اليوم نحو 100 مليون شخص من مختلف أنحاء العالم. وتشمل هذه الأديان عدّة تقاليد مثل الفودون (الجزر الكاريبية) والسانتيريا (كوبا وجنوب الولايات المتحدة) وكاندومبليه (البرازيل). تشمل معتقداتهم عادة نوعاً من تبجيل الأسلاف والأرواح المقدّسة مثل اللوس في الفودون والأرويشا في السانتيريا. إحدى السمات المشتركة بين هذه الأديان هي في المزج الديني الذي تقوم به حيث يوجد في تقاليدها ممارسات كاثوليكية، أفريقية وإسلامية.

أعطت الأديان الوثنية القديمة أهمية كبيرة للطبيعة والآلهات الإناث. في الصورة؛ الآلهات العربيات الثلاث مناة واللات والعزّى

6)      الأديان الطبيعية القديمة (الوثنية): Read the rest of this entry

الأديان والروحانيات حول العالم – الجزء الأول

...

 هنالك مئات الأديان والروحانيات المختلفة حول العالم اليوم، منها ما تعود جذوره إلى عشرات آلاف السنين، ومنه ما تم إنشاؤه منذ بضعة أعوام فقط. وينتمي نحو 82 في المئة من سكّان العالم إلى روحانية أو دين محدّد، فيما 18 % تقريباً هم لادينيين، لاأدريين أو ملحدين.

الأديان الأشهر في العالم هي ما يُعرف في الدراسات الأكاديمية بـ”الخمسة الكبار” التي ينتمي إليها نحو 70 % من سكان الكوكب، وهي الديانات الهندوسية (1 مليار تابع)، المسيحية (2.1 مليار)، الإسلام (1.6 مليار)، اليهودية (14 مليون) والبوذية (376 مليون تابع).

تختلف التصنيفات المختلفة للأديان بحسب المقاربة التي يعتمدها الباحث؛ منهم من يوزّعها بحسب الجغرافيا ومنهم من يصنّفها وفقاً لثنائية التوحيد\تعدّد الآلهة. في اسكندرية 415، اعتمدنا 12 تصنيف عام للأديان نعرضها في ما يلي:

1)      الأديان الإبراهيمية الثلاثة: وهي بحسب تسلسلها الزمني: اليهودية، المسيحية والإسلام. تُسمّى في بعض الأحيان بـ”الأديان السماوية” فيما تُدعى أكاديمياً بـ”الإبراهيمية” نسبة للأب الروحي الذي تعتبر أنها تنحدر منه وهو إبراهيم الخليل، شخصية دينية توحيدية عاشت (وفقاً للتقاليد اليهودية) بين عامي 1800 و1600 قبل الميلاد. الأديان الإبراهيمية هي أديان توحيدية تؤمن بإله سرمدي واحد خالق للكون كلي القدرة والعلم. وتشترك مع بعضها البعض في إيمانها بأنبياء ورسل محدّدين، بامتلاك كل منها كتب مقدّسة تُعتبر بمثابة رسالة من الله أو كلامه المباشر، بعقيدة الثواب والعقاب، خلق الكون، يوم القيامة والجنّة والنار، وبمؤسسات دينية مركزية هرمية محصورة بالرجال.

2)      الأديان الدارمية: الأديان الدارمية هي الأديان التي نشأت في شبه القارة الهندية وتشمل الهندوسية (مليار تابع)، البوذية، الجانيّة (4.2 مليون تابع)، السيخيّة (23 مليون) وعدد من الأديان الأخرى. وتُعرف الأديان بهذا الإسم وفقاً للأهمية التي يعطونها للدارما Dharma ، التي يختلف معناها بحسب دين وآخر لكنها تعني بشكل عام “الجوهر” (لدى الهندوسية الجوهر هو الواجب، لدى الجانيّة هو الحق، ولدى البوذية هي تعاليم مؤسسها). وتشترك هذه الأديان في عدد من الخصائص مثل إيمانها بالكارما (قانون السبب والنتيجة المعروف أيضاً بقانون العواقب)، التقمّص والانعتاق الروحي من الجسد كهدف للحياة البشرية، وحدة الوجود، كما تعطي أهمية كبيرة للممارسات الروحية الداخلية مثل التأمل واليوغا. فيما عدا ذلك، تختلف هذه الأديان عن بعضها البعض بشكل شاسع، ففي الهندوسية تحتل الآلهة أو الإله موقع مركزي كمحرّك للوجود فيما العكس في البوذية والجانية. وفيما لا تمتلك الهندوسية Read the rest of this entry

(2\2) كيف يمكن أن نرى المقدّس

خلال احتفال أحد الاديان الوثنية الحديثة ببداية الصيف في روسيا

* * *

7) وحدة الكلّ في الإله Panentheism: وتعني بالأصل اليوناني “الكل في الله”، وهي مشابهة لفلسفة “وحدة الوجود” في أنها تعتبر أن الله موجود في كل ذرة في الطبيعة، لكنها تختلف عنها في أنها لا تعتبر أن الله والكون متطابقان تماماً بل ترى أن “الله” يتجاوز الكون من حيث الزمان والمكان. ولا تعتبر هذه الفلسفة بالضرورة أن الإله هو الخالق، بل تعتبره القوّة الخلّاقة الموجودة في كل شيء في الكون. وبعض فروع هذه الفلسفة تعتبر أن الكون هو التجلّي المادّي للمقدّس. وتندرج بعض المدارس الروحية القديمة ضمن هذه الفلسفة ومنها الهرمسية والنيو-أفلاطونية.

8- الإرواحية Animism: وتعني “وجود روح في كل شيء”، وهي فلسفة تعتبر أن الروح موجود في كل شيء على الإطلاق، البشر، الحيوانات، النبات، الصخور، الظواهر الطبيعية كالرعد، الأماكن الجغرافية كالجبال والأنهار… وبعض التقاليد الإرواحية تعتبر أنه هنالك روح أيضاً للأشكال التجريدية كالكلمات أو الأفكار. وقد بدأت كل الأديان في العالم بالشكل الإرواحي، وهي لا تزال اليوم منتشرة في الأديان الأفريقية التقليدية مثل اليوروبا، وتلك الحديثة الأفريقية – اللاتينية مثل كاندومبليه، سانتيريا، فودون، بالإضافة إلى الشنتو، بعض التقاليد الهندوسية، السيخية، وبعض الأديان الوثنية الحديثة.

9) الهينوثية Heno-Theism: وهو مصطلح وضعه العالم الألماني ماكس موللر ليشير إلى عبادة إله واحد لكن مع الاعتراف بوجود آلهة أخرى. وهي بالتالي عكس التوحيد الذي يعني عبادة إله واحد من دون الاعترف بوجود آلهة أخرى غيره. والهينوثية كانت ممارسة شائعة جداً في الأديان الوثنية القديمة، وهي اليوم معروفة في الدين الهندوسي والأديان الوثنية الحديثة.

10) الكاثينوثية Katheno-Theism: وهو مصطلح من وضع ماكس موللر أيضاً يشير إلى عبادة إله واحد في وقت معيّن، وعبادة إله آخر في وقت آخر، وهذه ممارسة شائعة في بعض التقاليد الهندوسية التي تعطي الأفضلية في كل دورة دينية لإله محدّد مثل براهما، فيشنو وكالي.

11) و12) و13): الأومنيثية Omni-theism، المونيّة Monism، المونلاترية Monolatry،: هي ثلاث فلسفات متشابهة ومترابطة؛ الأومنيثية هي الإيمان بجميع الأديان في وقت واحد، المونيّة هي فلسفة تعتبر أن المقدّس هو مادة جوهرية واحدة وأن كل التجليّات الدينية والإلهية هي مجرّد صور لهذه المادّة الجوهرية خلقها العقل البشري، والمونولاترية هي عبادة هذا الجوهر فقط دون أي إله آخر. وتعتبر المونولاترية بالتالي أن الآلهة المختلفة ليس في الواقع آلهة بل هي مجرّد أسماء بشرية لهذا الجوهر. ومن الأديان التي تعتنق هذه الفلسفات الديانة الكيمتية الأورثوذوكسية (وثنية حديثة ترتكز على تأويلها الخاص للدين المصري القديم).

أحد أتباع الفودون يصلّي في نهر مقدّس في هاييتي - الفودون تُعتبر من الاديان الإرواحية، المتعددة الآلهة والمؤمنة بوحدة الوجود في الوقت نفسه.

14) الربوبية Deism: Read the rest of this entry