Category Archives: فهرس

عدد 4: من النوم إلى اليقظة

من النوم إلى اليقظة: الاستيقاظ الذهني والروحي

اسكندرية-415، العدد الرابع

الاستيقاظ والتنوّر كلمتان نسمعهما كثيراً في السياق الروحي لكن غالباً ما يبقى معناهما غامضاً، مستتراً أو حتى مشوّشاً. وهذا الغموض طبيعي بسبب عدّة عوامل أوّلها أن “الاستيقاظ” الحقيقي والكامل، كما كل تجربة روحية عميقة، هو أمر من الصعب جداً وصفه بالكلمات، إنه حالة حيّة تُختبر بما هو أبعد من الجسد، حالة أبعد من الحواس ومن النفس ومن العقل، وهي بالتالي أبعد من الوصف بكل معنى الكلمة.

العامل الثاني الذي يساهم في هذا الغموض قد يكون جهل صاحب النصّ بموضوع الاستيقاظ الروحي، إذ إن الاستيقاظ ليس مجرّد تجربة روحية أخرى نعيشها للحظات ونعود بعدها إلى حياتنا الطبيعية، وهو ليس “رؤية” روحية أو مجرّد صوت يخاطبنا في البرّية؛ الاستيقاظ هو تجربة نادرة جداً تغيّر مفهوم الذات وعلاقتنا بذاتنا وبكل شيء من حولنا بشكل جذري وتقلب الطريقة التي نرى بها العالم رأساً على عقب. والاستيقاظ هو بالتالي تجربة قد تدمّر الشخص كما قد تحييه. لكن العديد من المقالات التي يمكن أن نصادفها على الانترنت والتي تتحدّث عن الاستيقاظ الروحي ليس لها علاقة بالاستيقاظ الروحي لا من قريب ولا من بعيد. كما أن العديد من الأشخاص اللذين يدّعون انهم “استيقظوا” ويتحدّثون ويتباهون بتجربتهم ليلاً نهاراً، لا يعرفون من الاستيقاظ الروحي سوى الاسم لأن اللذين يستيقظون فعلاً لن يشعروا بالحاجة للتبجّح بذلك ولن يستطيعوا التحدّث عنه بالكلمات.

العامل الثالث الذي يساهم في غموض هذا المفهوم، والذي أجده شخصياً الأهم، هو عدم التمييز السائد بين الأنواع المختلفة من الاستيقاظ وعدم المعرفة بأن هنالك اختلاف لا يستهان به لهذا المفهوم بين العديد من المدارس الروحية.

فلنعرّف إذاً ما هو الاستيقاظ الروحي والذهني. الاستيقاظ، في السياق الروحي، هو تفتّح الذات على بُعد جديد لم تكن تعرفه سابقاً والعيش من بعد ذلك على ضوء الحقيقة الجديدة؛ هذا البعد قد يكون طاقوياً كاكتشاف الجسم الطاقوي للإنسان أو تنمية قدرة معيّنة كالشعور بتذبذبات الطاقة، وقد يكون استيقاظ نحو البعد الروحي-الأثيري يتيح التأكد من وجود بُعد أبعد من الجسد، مثل اختبار الخروج من الجسد أو التخاطر وما شابه، ويمكن أن يكون استيقاظ تجاه بعد ديني ما-ورائي مثل اكتشاف طاقة روحية أو الله-إله-إلهة معيّنة، كما يمكن أخيراً أن يكون استيقاظ تجاه “الحقيقة”، أي حين تُفتح نافذة أمام الذات لاختبار الحقيقة الأسمى بشكل مباشر بحيث تذوب الذات الفردية ويبقى فقط الجوهر، البعد اللانهائي الخارج عن الزمان والمكان، وهو ما يُطلق عليه في السياق الابراهيمي وصف “التوحّد مع الله”، وفي الدين الهندوسي “النيرفانا” وفي الدين البوذي “الفراغ”.

طبعاً يعود لكل شخص أن يصدّق أو لا يصدّق هذه التجارب، لكنها بالنسبة للذين يختبرونها تجارب حقيقية تحدث كل يوم لآلاف الأشخاص حول الكوكب. ما يجب أن نعرفه في هذا المجال هو أن النوع الأخير من الاستيقاظ الروحي، “التوحّد”، هو الأكثر ندرة على الإطلاق وربّما يحدث لشخص واحد فقط بين كل مليار نسمة. الأنواع الأخرى من “الاستيقاظ” نادرة أيضاً لكن ليس بنفس المقدار.

كيف يمكن أن نحقّق إذاً الإستيقاظ الروحي الحقيقي؟

من الواضح عند دراسة هذا الموضوع أنه لا يوجد قاعدة محدّدة لذلك؛ هنالك عوامل تسهّل هذه العملية بطبيعة الحال لكن لا يوجد أي ممارسة تضمن حصول ذلك بشكل قاطع. العوامل التي يمكن أن تهيّأ الشخص أو تدفعه فجأة تجاه تجربة روحية عميقة تشمل التأمل، اليوغا وما شابهها من طقوس جسدية-روحية مثل الرقص الصوفي، العزلة الروحية، الصوم المطوّل، الموسيقى والرقص، الجنس، الحوادث المفاجئة القريبة من الموت Near Death Experiences (مثل الخروج المفاجىء من الجسد خلال حادث سيارة، أو حصول تخاطر ذهني مع شخص بعيد في اللحظة التي تسبق الموت وهي الآلية نفسها التي تتيح لأمّ مثلاً أن تشعر بحصول مكروه لأولادها ولو كانوا على الطرف الآخر من الكوكب). كذلك يهيأ “الاستيقاظ الذهني”  أرضيّة خصبة لاختبار الأبعاد الطاقوية والروحية المرهفة في الوجود.

لكن من المهم أن نعرف أن كل هذه الطرق لا تضمن حصول الاستيقاظ الروحي بمعناه الكامل، كما سبق وقلنا، حتى ولو كانت آلاف المواقع الالكترونية تدّعي عكس ذلك. والسبب في الحقيقة هو بسيط؛ كل شخص على هذه الأرض هو كامل روحياً وقابل لاختبار البعد الأسمى بشكل مباشر من دون وساطة أي شخص آخر أو أي تقنيّة، والباقي تفاصيل. والدليل على ذلك هو أنه هنالك تجارب روحية حصلت في أغرب الأوقات لناس عاديين لم يقوموا بأي ممارسة روحية أو يخضعوا لأي تدريب ذهني في حياتهم؛ منهم خاضوا استيقاظهم الروحي حين كانوا يستقلّون سيارة الأجرة، منهم استيقظوا حين كان يمشون في الشارع أو يجلسون في اجتماع عمل في المكتب. أحد أشهر المؤلفين في المجال الروحي، إيكهارت توللي، خاض استيقاظه الروحي حين كان في أسوأ حالاته؛ أحد أهم معلّمي التأمل في العقد الحالي، ستيفان بوديان، قضى 10 سنوات في التأمل في دير بوذي من دون أن يعيش تجربة روحية، ثم عاش الاستيقاظ الروحي كاملاً حين كان يقود سيارته عائداً إلى منزله في يوم لم يتوقعه أبداً. مؤسّس الديانة البوذية، سيدارتا غوتاما بوذا عاش ست سنوات في تدريب روحي قاسٍ من دون أن يختبر أي تجربة روحية، لكنه عاش أهم تجاربه على الإطلاق، “التنوّر”، في اللحظة التي أخذ فيها صحن طعام متواضع من امرأة محسنة أشفقت على حالته.

الاستيقاظ الروحي إذاً لا يتطلّب تدريب أو استعداد مسبق (حتى ولو كان ذلك يساعد احياناً)، كما أنه يمكن أن يحصل لأشخاص روحانيين وغير روحانيين، ويمكن أن يكون مفهوماً من قبل الشخص الذي عاشها ويمكن ألا يعرف هذا الشخص ماذا حصل له (وقد يعتقد حتّى أنه على شفير الجنون). لذلك، من الصعب جداً الحديث عن هذا النوع من الاستيقاظ في هذا العدد، ومن غير الصادق القول أنه هنالك تقنية معيّنة يمكن أن تساعد أحد على التوصّل للاستيقاظ الكامل. هنالك حالات تأملية معيّنة قد تساعد قليلاً في إزاحة الستار عن هذه التجربة سنصف أحدها في مقال خاص لكنها لن تكون بالنسبة لمعظم من يخوضها سوى تجربة تأملية لا طائل منها.

الأنواع الأخرى من التجارب الروحية، خاصة تلك التي تحصل على المستوى الطاقوي-الأثيري، يمكن أن يتم التحضير لها من خلال تدريب معيّن، لكنها ليست مجال هذا العدد من اسكندرية-415 لأسباب كثيرة. ما يهمّنا أن نتحدّث عنه في هذا العدد هو “الاستيقاظ الذهني” لأنه يمكن للجميع أن يستفيد منه بغض النظر عن معتقداته أو ميوله الروحية.

وحين نقول “الاستيقاظ الذهني”، نحن نعني قيام الشخص بتنمية درجة الوعي الذهني لديه بحيث يصبح متنبّها وواعياً لكل شيء يحصل في كونه الداخلي وفي كونه الخارجي. هذا ما يطلق عليه بالانكليزية Mindfulness؛ الترجمة الحرفية إلى العربية هي “اليقظة الذهنية”، لكن الكلمة الأدق روحياً هي “الحضور”. الاستيقاظ الذهني هو إذاً حصيلة نموّ هذا الوعي، هو “اليقظة”، هو “الحضور” الدائم. “الحضور” يشكّل حداً فاصلاً بين الحياة الأوتوماتيكية المتلقيّة والحياة الواعية المتوثّبة وهو حجر أساس في أي ممارسة روحيّة بنّاءة. لكل هذه الأسباب، اخترنا أن يكون الاستيقاظ الذهني والروحي محور العدد الرابع من اسكندرية-415.

بالإضافة إلى آليات تعزيز “الحضور” التي سنتحدّث عنها بشكل مفصّل، يتضمّن العدد مقدّمة صغيرة لتعلّم التأمل مع مساهمة صغيرة من شاعرنا الروميّ (التي أرسلها بالبريد منذ نحو ألف عام :p) حول “الحضور”.

أتمنى أن يكون العدد مفيد لكم.

هذا الموضوع كما كل مواضيع المدوّنة مفتوح للمساهمات الفنّية والكتابيّة وغيرها، يمكن إرسال المساهمات على البريد التالي

tsaghbiny [at] gmail.com

*

فهرس مواضيع العدد الرابع:

–          تطوير اليقظة الذهنية (1\3)

–          تطوير اليقظة الذهنية (2\3)

–          تطوير اليقظة الذهنية (3\3)

–          الحضور بكلمات ابن الرومي

–          التناول الواعي للطعام

–          التأمّل: مقدّمة قصيرة

–          التأمّل: المنافع ونصائح عامة

–          التأمّل: تعلّم الممارسة الأولى

–          13 نصيحة عمليّة للحياة الواعية

–          على درب اليقظة الروحية: من أنا؟

–          الحياة الواعية

Advertisements

عدد 3: “عودة أوزيريس”

“عودة أوزيريس”: الدين المصري القديم وإعادة إحياؤه حول العالم

اسكندرية-415، العدد الثالث

حكمة مصر القديمة هي من أعظم الألغاز الروحية في التاريخ؛ هي وريثة أطلنتيس والنبع الذي نهلت من حكمته كل الحضارات القديمة. وفقاً للعديد من الأساطير، الأرض السوداء كانت البيت الأوّل لأخوية الحكمة الأولى منذ 12 ألف عام التي نقلت وحفظت ونشرت الحكمة من مصر إلى كل أصقاع الأرض.

التقدّم الفلسفي والروحي والعلمي في مصر القديمة حيّر كل العلماء منذ الاكتشافات الأركيولوجية الأولى حتى اليوم. دراسة الحضارة المصرية القديمة في الغرب هي اختصاص قائم بذاته مع جامعاته وأساتذته وأبحاثه الخاصة. حكمة هذه الحضارة شكّلت ولا تزال المصدر الأوّل للوحي بالنسبة للعديد من الفلاسفة والشعراء ورجال الدين والمؤلفين في الدول الغربية، لدرجة أن كل تيار روحي جديد تقريباً يدّعي تحدّره من الحكمة المصرية القديمة وترعرعه على ضفاف النيل.

السبب الأساسي لقدرة الحكمة المصرية على إبهار العديد من الناس حول العالم لم يكن توغّلها في التاريخ القديم فحسب، بل صلاحيّتها الكبيرة لعالم اليوم كطريقة حياة وحكمة وفلسفة حيّة. هذا الفهم لأهميّة وصلاحيّة الحكمة المصرية دفع العديدين حول العالم ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي إلى إعادة إحياء الدين المصري القديم حتى تحوّل اليوم إلى المنزل الروحي الحيّ للآلاف حول العالم بعد ألفي سنة من غيابه.

أما نحن في العالم العربي، فنكاد لا نعرف أي شيء عن مصر القديمة ودينها، حتى المصريين منّا. بل إن البعض منّا يرفض حتى أن يتعلّم عنها بحجّة أنها وثنية وضالّة. البعض يعتبر أن الإنجاز الأهم للمصريين القدماء كان التوحيد الديني في ظلّ الفرعون أخناتون الذي ألغى الديانة المصرية التعدّدية والغنيّة وفرض على المصريين عبادة آتون كإله أوحد غير مرئي. لكن في الواقع، إن التوحيد الأخناتوني كان أسوأ حدث ثقافي حصل لمصر القديمة، وسبّب صدمة هائلة في البلاد لدرجة أن المصريين، بعد وفاة أخناتون، عادوا إلى دينهم القديم وأزالوا اسم أخناتون وكل ما يشير إليه وإلى الإله آتون عن النصب والأحجار والمكتبات، كأنهم أرادوا بذلك أن يمحوا من ذاكرتهم نهائياً تلك المرحلة المؤلمة.

للأسف، حين انتشرت المسيحية في مصر وأصبحت هي الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، برزت الكنيسة المصرية كواحدة من الكنائس الأكثر تطرفاً وتشدّداً بين كنائس العالم القديم ولعبت دوراً رئيسياً في دفن الحكمة المصرية القديمة وتوليد عصور الظلمة التي لحقتها. آخر لمحات المقاومة في المتوسّط كانت مع هيباتيا الاسكندرانية التي نعرف قصّتها جيداً، وهي آخر عالمة ومعلّمة نيو-أفلاطونية في المدينة التي شهدت في أيام جبروتها ولادة أهم المدارس الفلسفية للعالم القديم. الفتوحات الإسلامية فيما بعد ساهمت في الطمر النهائي للحكمة المصرية القديمة، والحكم الإسلامي اللاحق عملت على ترسيخ معاداة هذه الحكمة لدرجة نشعر فيها أن بعض الأصوليات الدينية المنتشرة اليوم قد تطالب بتفكيك الأهرامات!

الدين المصري القديم دين حكمة وتوازن وتسامح واحتفال بالحياة، هو جوهرة نادرة تستطيع إغناء عالمنا العربي روحياً وفلسفياً وحياتياً. وهو بالتالي يستحقّ أكثر بكثير من عدد واحد في اسكندرية-415. هذا العدد المتواضع الذي نضعه اليوم بين يدي القارىء العربي بشكل عام، والقارىء المصري، وريث الأرض السوداء بشكل خاص، ليس كافٍ أبداً للإطلاع على كافة جوانب الحكمة المصرية وتجلّياتها القديمة والحديثة، لكننا نأمل أن يكون محفّز صغير له لكي يتعمّق في هذه الحكمة أكثر وليكتشف أن تراثنا الروحي غني وجميل وعميق ومن أغنى المدارس في العالم.

العدد الحالي من مدوّنتنا المتواضعة سيعالج بشكل أساسي المفهوم الرئيسي في الدين المصري القديم “ماعات”، وسيضيء على إعادة الإحياء الحديثة للدين المصري المعروفة باسم الكيميتية (اشتقاقاً عن اسم مصر القديمة “كيميت” الذي يعني الأرض السوداء – الخصبة). وسنضيء كذلك على بعض الأساطير والممارسات والرموز بالإضافة إلى شهادات حيّة من ممارسين حاليين للدين الكيميتي (المصري القديم).

هذا الموضوع كما كل مواضيع المدوّنة مفتوح للمساهمات الفنّية والكتابيّة وغيرها، يمكن إرسال المساهمات على البريد التالي

 tsaghbiny [at] gmail.com

*

فهرس مواضيع العدد الثالث:

ماعات: مفتاح الدين المصري القديم

الديانة الكيميتية الحديثة

–  أسطورة أيزيس وأوزيريس

صلاة شكر كيميتيّة

الآلهة المصرية القديمة (1\2)

الآلهة المصرية القديمة (2\2)

صلاة لأيزيس

صلاة للإله جب (إله الأرض المصري)

طقوس كيميتية حديثة

رحلة إلى الكيميتية (مقابلة)

العدد 2: الذهن على المادّة (Mind-over-Matter): القدرات الخفية للإنسان

العدد 2: الذهن على المادّة (Mind-over-Matter): القدرات الخفية للإنسان

أدون

“الذهن على المادّة”، بالإنكليزية Mind-over-Matter، هي عبارة تُستعمل للدلالة على قدرة العقل البشري على التأثير على العالم الفيزيائي؛ التأثير هذا قد يُترجم عبر أمور عدّة، أكثرها شهرة هما “الشفاء الذاتي” (قدرة الإنسان على الشفاء من دون دواء من خلال قوّة عقله)، وتحريك الأشياء عن بُعد عبر القوّة الذهنية. علاقة الذهن مع المادة كانت ولا تزال إحدى الأسرار الأكثر أهمية في الأديان الباطنية القديمة، وهي تشكّل اليوم إحدى المداخل الرئيسية إلى الروحانية بالنسبة للعديد من الباحثين الروحيين حول العالم.

قوّة الذهن على المادة تشكّل ركناً أساسياً في معظم الأديان حول العالم؛ الصلاة بحدّ ذاتها، القاسم المشترك بين كل الأديان، هي من أقدم الوسائل الذهنية التي استعملها الإنسان للتأثير على الواقع الفيزيائي، خاصة حين تكون موجّهة للشفاء، للانتصار، أو للحصول على المال والخيرات. بعض الفلسفات الدينية القديمة، وحتى بعض نظريات الفيزياء النظرية المعاصرة، تفترض أن الكون بحد ذاته هو ذهن واعي حيّ، هو اللوغوس الكلّي الذي يخلق ذاته وينظّم ذاته بذاته. لكل هذه الأسباب، اخترنا أن يكون موضوع “الذهن على المادّة” محور العدد الثاني من اسكندرية 415.

ما دفعنا أكثر لاختيار هذا الموضوع كمحور للعدد هو أن معظم الروحانيات الرائجة حالياً، والتي من المرجّح أن يحتكّ بها القارىء في بداية بحثه الروحي، تنطلق من وعود ما بتفوّق العقل على المادة. الممارسات الروحية البديلة الأكثر شعبية في السنوات الأخيرة، في الغرب كما في البلدان العربية، هي مثلاً ممارسات الشفاء بالطاقة التي تنطلق من قدرة الذهن\العقل\النفس على شفاء الجسد والتغلّب على الأمراض الفيزيولوجية. كذلك، إن “الدروب” الروحية الأكثر رواجاً في صفوف المراهقين والشباب اليوم هي “الدروب السحرية”، التي تزعم أنها تعطي تابعها القدرة على تجاوز قوانين الطبيعة من خلال إرادته وحدها. والأمر نفسه ينطبق على الكتب “الروحية” الأكثر مبيعاً حول العالم، وهي اليوم كتب مثل “السرّ” The Secret و”اختبار النيّة” The intention experiment التي تقوم على فرضيّة التفوّق التام للذهن على المادّة.

طروحات تفوّق الذهن على المادة ترتكز على مكتشفات جديدة وواعدة في حقل الكوانتوم كما على الحكمة القديمة التي آمنت بالقدرة البشرية طريقاً نحو المقدّس، لكنها توجّهها في بعض الأحيان وجهة غير موفّقة روحياً وفلسفياً وعملياً أو تستعملها كغطاء لإدعاءات خرافية؛ هذه هي مثلاً ثقافة “قانون التجاذب” المنبثقة من كتاب “السرّ” التي تقوم، كشركة مستحضرات تجميلية أو بنك دولي، على وعد الناس بالمال والشهرة والجسد الرشيق،. كذلك الأمر في حالة نظام التيتا هيلينغ Theta Healing (شفاء بالطاقة) الذي يستعمل “قدرة الذهن على المادة” ليزعم أنه يعطي ممارسه القدرة على الشفاء الفوري من الأمراض المستعصية من خلال “الاتصال بالخالق مباشرة”، والأمر نفسه بالنسبة لـ”التأمل التجاوزي” (مدرسة تأملية مستمدّة من الهندوسية تأسست في الولايات المتحدة) الذي يعد الممارس بالتحليق بجسده فوق الأرض.

وبما أن القدرة الذهنية، حتى تلك التي تستطيع التلاعب بقوانين الفيزياء والتأثير على المادة، هي موجودة ومثبتة علمياً، وبما أنه أيضاً لا يمكن فصل هذه القدرة عن الحكمة القديمة التي اكتشفتها وطوّرتها في مدارس عريقة على مدى آلاف الأعوام، يضحي البحث في هذا المجال مهمّاً بالنسبة لمدونة اسكندرية 415. الهدف من هذا العدد تحديداً، ليس فقط تعريف القارىء(ة) بآخر الأبحاث في مجال قوّة الذهن على المادة، بل أيضاً مساعدته على التمييز بين الأسطورة والواقع في ما يتعلّق بهذه الأمور وربّما الخروج بتحليله وخلاصته الشخصيّة الخاصة حولها. الهدف الأوسع من ذلك هو مساعدة الباحثين الروحيين على عدم الوقوع فريسة بعض الإدعاءات الصاخبة في هذا المجال.

 المدوّنة لن تتناول هذه القضيّة من الزاوية التقليدية الباراسيكولوجية (مثل قصص الشفاء الأعجوبي والتخاطر والمشي عبر الحيطان وتحريك الأحجار عن بعد…ألخ) لأنه يوجد ما يكفي من ذلك على الانترنت، كما أنها لن تتناول المسألة حالياً من وجهة نظر الحكمة القديمة التي ترعرعت في كنفها كل العلوم الباطنية (وهذا سيكون موضوع عدد مستقبلي)، بل سنتحدّث عن الأساس العلمي المطروح حالياً لتفسير قدرة الذهن على التأثير على المادّة في مقال معمّق، ثم سنتناول آخر الأبحاث في هذا المجال من خلال مثالين رئيسيين: “تجربة النوايا” التي تُجرى في مختبرات في أنحاء عدّة من العالم وهي التجربة الأكبر في مجال تأثير العقل على المادة، و”الصلاة” وتأثيرها المزعوم على الصحّة.

إلى ذلك، إن كان الوقت يسمح بكتابة أجزاء أخرى لهذا العدد (لا زلنا نحرّرها بشكل منفرد، المساهمات مرحب بها :D)، سنتناول موضوعاً عن التعريف الحقيقي للسحر، كما سنتحدّث عن “قانون التجاذب” الشعبي الرائج اليوم من زاوية نقدية.

الفهرس سيكون متاح على هذه الصفحة ما أن يتم الانتهاء من إعداده، ويمكن العودة إليه في أي لحظة لتصفّح عدّد تموز-آب 2011.

هذا الموضوع كما كل مواضيع المدوّنة مفتوح للمساهمات الفنّية والكتابيّة وغيرها، يمكن إرسال المساهمات على البريد التالي: tsaghbiny [at] gmail.com

*

فهرس مواضيع العدد الثاني:

علم الوعي: نظرية الحقل صفر

– “الماء إلى نبيذ”: أهم تجارب الذهن على المادة في العالم – الجزء الأول.

–          “الماء إلى نبيذ:” الورقة الصغيرة التي لمعت – الجزء الثاني

“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 1\3)

          قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 2\3)

       –       “قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 3\3)

–          هل يمكن للصلاة أن تشفينا؟ (1\2)

–          هل يمكن للصلاة أن تشفينا؟ (2\2)

السحر: الحقيقة حول أقدم فنون البشر

العدد 1 – أيار 2011: مقدّس بوجوه كثيرة

أدون –

حين بدأنا بالتفكير في مواضيع شهرية لمدوّنة اسكندرية 415 غلبتنا الحيرة حول ما يمكن أن نبدأ به هذه الرحلة الطويلة. وحيرتنا كانت ممزوجة بالشعور بجسامة المهمّة التي أوكلناها للمدوّنة، خاصة أنها الأولى من نوعها في العالم العربي ومن الأرجح أنها ستسير باستمرار في حقل من الألغام المتفجّرة.

واستمرّ ذلك حتى رسينا على عنوان “المقدّس بوجوه كثيرة” كموضوع للشهر الأول. وقد اخترنا هذا العنوان لأسباب عديدة، منها أن بحث أي موضوع روحي أو فلسفي أو ديني، يستوجب أولاً عرض الرؤى المختلفة للمقدّس والفلسفات المتعدّدة في هذا الشأن، مع ما يعنيه ذلك من تعريف مقتضب عن مختلف الأديان ومدارس الإيمان.

من ناحية ثانية، نأمل أن يساهم هذا الموضوع، ولو بتواضع، في سدّ النقص الشديد في التربية الدينية  في العالم العربي. وحالة الأخيرة هي اليوم في أسوأ أحوالها، ففي معظم الدول العربية، الهدف من التربية الدينية ليس إكساب الطالب ثقافة موضوعيّة متسامحة تشمل مختلف الأديان حول العالم، بل تعني في أغلب الأحوال التلقين العقائدي الصارم للمدرسة الدينية التي ينتمي إليها الصرح التربوي. الضعف الأكاديمي والتربوي الشديد في مجال الأديان المقارنة سهّل نموّ الكثير من الأحكام المسبقة والتعصّب الديني في مجتمعنا، تعصّب قبض على سلوكنا اليومي وثقافتنا العامة على السواء. قد لا يكون غريباً القول أنه هنالك بعض الأوساط التي لا تعلم بتاتاً بوجود ديانات أخرى غير المسيحية والإسلام واليهودية، وفي أفضل الأحوال يمكن أن تكون سمعت عن هذه الأديان والمسارات “الغريبة” من المصادر الدينية نفسها التي تنتهج تربية الحقد والجهل.

“مقدّس بوجوه كثيرة” ليس كافياً طبعاً لسدّ هذه الثغرة الهائلة، لكنه خطوة صغيرة تقدّم صورة بانورامية للقارىء عن الخارطة الدينية والروحية للعالم.

في هذه السلسلة، سنتحدّث عن تصنيفات الأديان المختلفة وعدد أتباع كل منها والاختلافات الأساسية فيما بينها، سنتناول أيضاً الرؤى المختلفة للمقدّس بدءاً من التوحيد وصولاً لوحدة الوجود وتعدّد الآلهة، كما سنتحدّث عن التجارب الدينية-الروحية التي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، مثل مزج أكثر من دين في الوقت نفسه، واعتماد روحانية من دون الانتماء لدين معيّن، وبعض هذه المقالات تحكي تجارب شخصية حيّة. وإذا سمح لنا الوقت بذلك، سنختتم العدد بمحاولة الإجابة عن سؤال جوهري يتكرّر على مرّ العصور: هل الأديان كلها هي لجوهر واحد وتقود لنفس الغاية؟

الفهرس سيكون متاح على هذه الصفحة ما أن يتم الانتهاء من إعداده، ويمكن العودة إليه في أي لحظة لتصفّح عدّد أيار 2011.

هذا الموضوع كما كل مواضيع المدوّنة مفتوح للمساهمات الفنّية والكتابيّة وغيرها، يمكن إرسال المساهمات على البريد التالي: tsaghbiny [at] gmail.com

*

فهرس مواضيع العدد الأول:

كيف يمكن أن نرى المقدّس، الجزء الأوّل

كيف يمكن أن نرى المقدّس، الجزء الثاني

الأديان والروحانيات حول العالم، الجزء الأوّل

الأديان والروحانيات حول العالم، الجزء الثاني

الأديان والروحانيات حول العالم، الجزء الثالث

تديّن غير اعتيادي، طوني صغبيني

_ معبر إلى الكون، هاني نعيم

هل الأديان كلها “واحد”؟، طوني صغبيني

*