على درب اليقظة الروحية: “من أنا؟”

...

إنه أبسط سؤال في العالم لكنه أكثر الأسئلة الروحية عمقاً وتعقيداً؛ تحديد مكان وماهيّة الذات هو مفتاح الأسرار في معظم مدارس الحكمة القديمة حول العالم.

الحالة التأملية التي تتطلبها الإجابة الروحية لهذا السؤال هي من الأصعب تقريباً (خاصة أن السؤال بسيط جداً)؛ بعض التلامذة الروحيين يقضون سنوات طويلة فيها من دون أن تتكشّف لهم أي إجابة، والبعض يكتشفها من دون أي تدريب روحي في لحظة خارج الزمان والمكان من يوم عادي جداً. السؤال، حين تتكشّف إجاباته الأوليّة الواحدة تلو الأخرى يستنفذ العمليات الذهنية ويستدرج الذهن للاستسلام في نهاية المطاف قبل أن تتجلّى للروح الإجابة الحقيقية. الإجابة ليست عقليّة، ولا عاطفيّة، هي روحيّة باطنيّة بكل ما للكلمة من معنى.

بعض أو ربّما معظم اللذين سيخوضونها قد يشعرون أنها تمرين ذهني سخيف لا طائل منه وهذا أمر طبيعي؛ البعض قد ينازع مع السؤال فترة قبل أن يستسلم، والبعض قد يستمرّ معه هذا السؤال كل الحياة لتنكشف له الإجابة في يوم من الإيام حين لا يتوقّعها، والبعض قد يشعر بالإجابة تتسرّب إلى مسامات روحه من اللحظة الأولى. كل هذه النتائج لا تصنّف على أنها جيّدة أم سيّئة لأننا لسنا في امتحان أو اختبار لمهاراتنا ولا علاقة لها بقدراتنا وإنسانيتنا ودرجة روحانيّتنا لا من قريب ولا من بعيد.

“من يختبر هذه اللحظة هنا الآن؟”

خصّص(ي)  عشرين لثلاثين دقيقة لهذه المغامرة الصغيرة. ابدأ(ي) بالجلوس في مكان مريح وهادىء حيث لن يزعجكم أحد؛ أغلقوا عيونكم ودعوا ذهنكم يستقرّ لنحو خمس دقائق. أرح انتباهك من المشاغل الأخرى واجلبه إلى اللحظة الآنية، ركّز قليلاً على التنفس المنتظم واسمح لجسدك بالاسترخاء.

الآن افتح(ي) عيناك واسمح(ي) لنظرك أن يستقرّ على شيء معيّن؛ طاولة، كرسي، مكتبة، خزانة… فيما تحدّق في هذا الغرض، اسأل نفسك: “من الذي يرى الآن؟”. من الواضح أن هذا الغرض يُرى، لكن من أو ماذا الذي يراه؟

إن كانت إجابتك “أنا، أنا الذي أراه”؛ إسأل نفسك بعد: “من هو هذا الـ”أنا” وأين يمكن أن نجده في المكان أو في الجسد؟”.

من بعدها، اجلب انتباهك إلى الأصوات من حولك. من الواضح أن الأصوات تُسمع، لكن من أو ماذا الذي يسمعها؟ مجدداً، الإجابة قد تكون “أنا طبعاً”؛ لكن اسأل مجدداً، من هو هذا الـ”أنا” وأين نجده؟

في هذه المرحلة قد يميل ذهنك للإجابات المنطقية أو الروحية التي مرّت عليه سابقاً، مثل “الأنا هو العقل”، “الأنا هو الوعي”، “الأنا هو شعاع نور”. لكن هذه الإجابات متأتية من تصوّرات ذهنيّة سابقة وليست الإجابة الحيّة التي تبحث عنها الآن.

استرخي، تنفّس، افتح تركيزك وعد إلى سعيك واجعله هذه المرة أكثر مباشرة وتجريبية بعيداً عن الإجابات الذهنية. وأسأل مجدداً: “من هي هذه الأنا؟ من أنا حقاً؟”

ربّما، كمعظم الناس، تعتقد أن ذاتك هي الدماغ الذي تعتبره المصدر لكل الذات أو أنك الأفكار التي تمرّ فيه. لكن لاحظ الآن كيف يمكنك أنت أن تكون المراقِب وموضوع المراقبة في وقت واحد: أنت تجلس والأفكار تمرّ في رأسك ذهاباً وإياباً، وأنت في نفس الوقت تراقب هذه الأفكار وتستطيع أن تنظر إليها كأنك متفرّج يشاهد فيلماً تلفزيونياً. أسأل نفسك في هذه الحالة؛ إن كنت أنا أفكاري، فمن هو هذا الأنا الآخر الذي يراقب الأفكار من بعيد؟

لاحظ أيضاً؛ كيف يمكنك أن تأمر الدماغ ليقوم بما تريده، كيف يمكنك أن تأمر الانتباه بأن يأتي من مكان إلى آخر؛ وأسأل نفسك، إن كنت أنا الدماغ فمن هو الذي يأمر الانتباه والوعي في هذا الدماغ؟ حاول تحديد مكان هذه “الأنا” التي تأمر الوعي؛ إن كنت من طلاب الطب قد تقول أنها في إحدى أجزاء الدماغ، لكن هذه الأجزاء هي التي تنفّذ الأمر لا التي توجّهه لأن من يوجهه هو “الأنا” التي لم نحدد مكان لها بعد.

لاحظ أيضاً، أنه إن كانت الأنا التي تأمر الوعي هي الأنا الحقيقية، لكن هناك “أنا” أخرى يمكنها أن تراقب هذه العمليّة كأنها مشاهد بعيد، وهناك “أنا” تنفّذ، وربّما هناك “أنا” أخرى تتلكأ في التنفيذ وتتذمّر. عد إلى السؤال الأساسي: “من أنا؟” و”أين يمكن أن نجد هذه الأنا وما هي طبيعتها؟”.

 إن كان ذهنك في مرحلة من التشوّش في هذه المرحلة؛ عد إلى التنفس. استرخي، وافتح انتباهك من جديد. لاحظ كيف أنه يمكنك أن تشعر بدماغك، يمكنك أن تراقب أفكارك؛ فمن هو هذا “الأنا” الذي يشعر بالدماغ ويراقب الأفكار؟ اسأل من هي هذه الأنا وراء العقل والمشاعر والأفكار التي تختبر وتشعر وتراقب العقل والأفكار والمشاعر؟

 السؤال الأعمق هنا؛ من هي هذه الأنا “التي تختبر وتراقب وتشعر وتأمر التفكير؟”.  كل إجابة يمكن أن تحدّدها بيولوجياً أو ذهنياً ليست الإجابة الصحيحة، لأن كل إجابة من هذا النوع تعني أن “الأنا” التي حدّدتها هي موضوع للوعي؛ أي أنه هنالك “أنا” أخرى تحدّدها وتشعر بها. السؤال هو: “ما هو مصدر الوعي هذا؟ من هي الأنا الواعية وراء كل شيء؟ ما هي الأنا “المصدر”، أي التي تراقب وتشعر وتأمر كل شيء من دون أن يكون بالامكان الشعور بها ومراقبتها (لأنها المصدر)؟

تابع(ي) بحثك؛ حتى ولو كان الذهن أو الوعي قد استنفذ نفسه في الإجابة حتى الآن؛ اذهب أعمق وأعمق في البحث داخل الذات لكي نحاول أن نجد تلك الأنا التي هي مصدر كل التجارب. حين يصبح بحثك مجهداً أو يميل للذهنيّة والعمليات الفكرية، استرخي واجلس بصمت وركّز على تنفسك قليلاً ثم عد للبحث بعد عدّة دقائق.

أهم ما يجب أن تتذكره خلال هذا التأمل ألا يتحوّل بحثك إلى حلّ أحجية ذهنية أو فكرية، ابحث عن الإجابة المباشرة التي يمكن اختبارها حسيّا بكل كيانك، لا الإجابة الفكرية التي تحاول تفسير الأمر عقلياً. ابحث عن الأنا التي تختبر كل شيء بصمت، التي تقف وراء كل تجربة من دون ان يكون بامكاننا أن نحدّدها في مكان أو زمان. كلما قلت “إني أشعر، إني أفكّر، إني اتذوّق، إني أعرف”، اسأل نفسك من هي هذه “الأنا” التي تقوم بكل ذلك؟ من هي هذه الأنا التي تختبر هذه اللحظة هنا الآن؟

بالتوفيق في بحثكم.

___________________

* يمكن العودة إلى فهرس العدد الرابع: “من النوم إلى اليقظة” على هذا الرابط (هنا).

___________________

Posted on نوفمبر 23, 2011, in تأمّل and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 3 تعليقات.

  1. في رأيي المتواضع أن الأنا المصدر هي الروح

  2. شكرا لكم نتمنى المزيد من مثل هذه المواضيع

  3. i think , it’s the soul ,, our soul does every thing, orders,,sees,,hears…everything ,, in final it’s the reason what makes us alive in this life !!the soul what goes back to allah ,, right ? so the answer is : our (soul),,that’s my openion…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: