التأمّل: مقدّمة قصيرة

...

طوني صغبيني

التأمل هو ممارسة روحيّة وحالة معيّنة من الوعي في الوقت نفسه. هنالك مدارس عديدة من التأمل حول العالم تناسب مختلف أنواع الناس من أي ديانة أو عرق أو منطقة أتوا.

الهدف البعيد الأمد من التأمل هو التنوّر الروحي والحريّة والسلام الداخلي؛ هذه الممارسة هي أيضاً إحدى الأدوات المهمّة في عمليّة الاستيقاظ الروحي والذهني. هنالك العديد من أنواع التأمل التي تمتلك أهدافاً فرعية أخرى غير الاستيقاظ؛ من هذه الأهداف الاسترخاء والتخلّص من الضغط، تصفية الذهن، تعزيز مستوى الانتباه، تعزيز فعاليّة الدماغ في أمور معيّنة مثل الذاكرة، تصفية التراكمات الجسدية، النفسية، العاطفية، الذهنية والروحية، تعزيز القدرات “الحدسيّة”، رفع مستوى الوعي الذهني أو الروحي، التخلص من الأنماط الذهنية السلبيّة، صقل حالات ذهنية محدّدة أو تعزيز مشاعر بعينها مثل التعاطف، التسامح واللطف تجاه أنفسنا والآخرين.

التأمل هو ممارسة مناسبة للتعاطي مع أي حالة ذهنية، نفسيّة وحتى جسدية. الحجر الأساس للتأمل هو القيام، بشكل واعٍ، باسترخاء الجسد، تصفية الذهن، والتركيز على أمر محدّد لفترة محدّدة من الوقت. هنالك نوعان من الانتباه خلال التأمل:

1)      التركيز: وهو توجيه الوعي إلى أمر واحد حصراً  مثل التنفّس، شمعة، صورة أو تمثال، مكان معيّن من الجسد، شعور محدّد، كلمة محدّدة، أو حالة ذهنية واحدة. هذا النوع من التأمل له الكثير من الشعبية في التقاليد الهندوسية وهو الأكثر انتشاراً اليوم حول العالم. وهو معروف في البوذية باسم الـ Samtha.

2)      الانتباه المفتوح: وهو حالة متقدّمة من التركيز تهدف للمراقبة الواعية المفتوحة. هذا يعني أن المتأمل في هذه الحالة يحاول ملاحظة ومراقبة كل شيء يحصل في هذه اللحظة بالذات؛ سواء كان ذلك أحاسيس جسدية، مشاعر، أفكار، عمليات ذهنية أو مجرّد أصوات، وفي مرحلة متقدّمة يصبح قادراً على الشعور بتذبذبات الطاقة والحقائق الروحية التي تتجاوز المادّة. هذا النوع من التأمل هو بوذي المنشأ، وهو أقل شعبية من النوع الأول وأكثر صعوبة. معروف باسم Vipassana. معظم المدارس التي تعلّم هذا النوع من التأمل تعلّمه تدريجياً، بحيث يتعلّم التلميذ الانتباه المفتوح تجاه الأحاسيس الجسدية أولاً، ثم المشاعر، ثم الأفكار، ثم كلها معاً، ثم العمليات الذهنية والباطنية المعقدة، ثم الحقائق الروحية الأسمى.

نشير إلى أن النوع الأول من التأمل هو الشرط الأساسي للتمكّن من النوع الثاني؛ تلميذ التأمل يتعلّم عادة النوع الأول (معظم الأحيان يتوقّف الأمر عند هذا الحد فلا يتعلّم أحد النوع الثاني)، ثم يتعلّم النوع الثاني. كما وأنه في كل جلسة تأمّل، يبدأ التلميذ جلسته بالنوع الأول لتحضير ذهنه ثم ينتقل منها للنوع الثاني.

عند ممارسة التأمل للمرة الأولى، سيكون من الصعب على معظمنا أن نجلس بصمت طوال فترة التأمل والتركيز على الأمر الذي اخترناه (في المرحلة الأول ننصح بالتركيز على شمعة أو على التنفّس). مع الوقت، سيتعلّم ذهنك أن يهدأ وسيكون بالإمكان تمرينه ليكون تركيزه ووعيه تحت تصرّف إرادتك لا العكس. الاسترخاء وتصفية الذهن هي نتائج جانبيّة طبيعية لهذه الممارسة، لكنها ليست الهدف الفعلي من التأمل.

وهنا يجب توضيح سوء فهم شائع حول التأمل وهي المقولة التي تزعم أن الهدف من التأمل هو إيقاف العمليات الذهنية. توقّف العمليات الذهنية المعقّدة للدماغ (الأفكار والذكريات) ليس هدفاً للتأمل بل نتيجة لممارسة أنواع محدّدة ومضنية من التأمل لفترات طويلة جداً. التجربة الروحية تؤدي أيضاً إلى توقّف هذه العمليات وخروج الذهن من المكان والزمان، والتجربة الباطنية العميقة تؤدي إلى فناء الذهن وحتى الشخصيّة الفردية الذاتية بشكل مؤقت (منطقة معروفة في التقاليد الشرقية باسم “اللاذهن” “No Mind”)، لكن هذه التجارب قد تكون وقد لا تكون ناتجة عن التأمل كما سبق وتحدّثنا في مقال سابق.

الهدف من التأمل الواعي ليس إيقاف الأفكار في الذهن، بل مراقبتها. راقبها من بعيد كيف تأتي وتذهب وتقاتل نفسها. الأفكار، المشاعر، الأحاسيس وكل شيء تقريباً سيقاطع تركيزك ألف مرة حين تجلس في وضعيّة التأمل، لكن لا يجب أن تدع(ي) ذلك يحبطك لأنه أمر طبيعي. اكتفي بملاحظة شرودك والعودة إلى التركيز بلطف. عامل نفسك بلطف، التأمل ليس مباراة فوز وخسارة. مع الوقت سيتحسّن مستوى تركيزك، وستلاحظ أن انتباهك ووعيك بشكل عام يزداد في كل مجالات الحياة الأخرى.

لكن، من المهم ألا تتوقّع شيئاً من التأمل. لا تتوقّع أنه سيجعلك شخصاً خارقاً، لا تتوقع أن يكون ذهنك واعياً وصافياً كل مرة تمارس فيها التأمل، لا تتوقع أنك ستعيش تجارب روحية فائقة لأنك تمارسه (التجارب الروحية الحقيقية نادرة كثيراً، لا تصدّق كل ما تقرأه على الانترنت). التأمل سيكون بالتأكيد مفيداً لك، وإن مارسته بانتظام سيقلب حياتك رأساً على عقب. إنه الممارسة الوحيدة في العالم التي تستطيع حقاً أن تغيّر الكون؛ أفضل هدية يمكن أن يقدّمها شخص لآخر هي في تعليمه التأمل. منافع التأمل ونصائح عامة قبل البدء بممارسة التأمل هي موضوع المقال التالي.

___________________

* يمكن العودة إلى فهرس العدد الرابع: “من النوم إلى اليقظة” على هذا الرابط (هنا).

___________________

Advertisements

Posted on نوفمبر 14, 2011, in تأمّل and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: