اليقظة الذهنية (2\3)

...

تطوير اليقظة في الحياة اليومية

التأمل هو الممارسة الأساسية التي تتيح لنا تدريب أذهاننا وتعزيز يقظتنا وحضورتنا. لكن التأمل، رغم بساطته، هو ممارسة شاقّة بالنسبة للعديدين منّا. لذلك هنالك طرق أخرى إلى جانب التأمل تساعدنا على تطوير اليقظة في الحياة اليومية؛ من المهم أن نتذكّر أن اليقظة هي مسألة سلوك أولاً وأخيراً وليست موهبة فطرية ولا ألاعيب ذهنيّة معقّدة ولا تقنيّة باطنية تحتاج لتدريبات مكثّفة. اليقظة هي سلوك ذهني واعي.

أساليب تطوير اليقظة بسيطة جداً، تبدأ من اختيار عمل أو ممارسة ما وتوجيه كامل انتباهنا إليها خلال القيام بها، تطوير مواقف ذهنية محدّدة واستعمال منبّهات اليقظة التي تذكّرنا بإعادة انتباهنا إلى هنا الآن حين يشرد ذهننا.

*

الانتباه واليقظة في أفعالنا اليومية

معلّمي التأمل يقترحون على تلاميذهم عادة ألا يكتفوا بالتأمل ويأملوا أن تؤثر تلك الممارسة بشكل أوتوماتيكي على حياتهم، بل يدعوهم لكي يمارسوا اليقظة الواعية في كل أفعالهم اليومية. يمكن للتلميذ في هذه الحالة أن يبدأ باختيار مهمة أو فعل محدّد وأن يحاول قدر مستطاعه أن يقوم به بكامل انتباهه، بوعي زائد عن العادة، من دون أن يسمح لذهنه بالشرود في أي شيء آخر.

الطرق البسيطة للبدء بالتجارب مع حالة اليقظة يمكن أن تكون عبر:

  • –  تناول وجبة على مهل، من دون أي إلهاء محيطي كالتلفزيون أو الراديو أو الكمبيوتر. لاحظ(ي) كيف يختلف الأمر حين نوجّه وعينا وانتباهنا الكامل للطعام الذي نأكله.
  • –  عدم فعل أي شيء على الإطلاق لخمس دقائق. ابحث(ي) عن مقعد مريح أو استلقي على السرير، اطفأ(ي) الهاتف، أغلق(ي) الباب..ألخ. لاحظ(ي) الآن ماهيّة الأمر حين تركّز(ي) انتباهك فقط على عمليّة التنفس، الشهيق والزفير. هل تستطيع(ين) أن تمرّن(ي) ذهنك ليقوم بذلك لخمس دقائق كاملة من دون أن يفقد صبره؟
  • –  قم بأعمالك الاعتيادية اليومية مثل القيادة، الاستحمام، غسل الصحون، الرياضة، الدرس، الرقص وحتى تنظيف الأسنان، كأنك تقوم بها وتكتشفها للمرّة الأولى. أجلب انتباهك للفعل الذي تقوم به؛ ما هي الأحاسيس الفيزيائية التي تشعر بها هنا الآن، ما هي الأفكار التي تمرّ في ذهنك هنا الآن، كيف يقوم عقلك بتقييم التجربة والتعامل معها؟
  • –  خصّص(ي) عدّة دقائق لتقوم(ي) بنشاط بدني محدّد مثل التليين، الرقص، الرياضة، اليوغا، حركات القتال..ألخ، لكن هذه المرّة بدل أن تقوم(ي) بها بطريقة أوتوماتيكية، أجلب(ي) كامل انتباهك إلى عمليّة التنفّس والأحاسيس الفيزيائية في الجسد، كل حركة بحركتها. في مرحلة لاحقة حاول(ي) أن تكون(ي) أكثر وعياً لكيفية تفاعل جسدك وذهنك مع كل حركة.
  • –  مارس(ي) الحديث الواعي، كن هنا الآن حين تنصت(ين) أو تتحدّث(ين) لشخص آخر.
  • –  كن يقظاً تجاه الآخرين. يمكن أن نقوم بذلك عبر ملاحظة المشاعر التي تختلج داخلنا حين نلتقي، نتحدّث أو نفكر بالشخص، أن نلاحظ كيف تحكم أذهاننا عليه بناء على تجارب ماضية أو على توقّعات مستقبلية وكيف يؤثر ذلك في تعاملنا معه(ا)، أن نلاحظ الأحكام المسبقة في أذهاننا التي تؤثر على تفاعلنا معه(ا) وربّما تمنعنا من رؤية الأمور الإيجابية أو السلبية فيه. حين نكون في محادثة، يمكن أن نلاحظ كيف أن الأفكار والكلمات التي تمرّ في المحادثة تحفّز مشاعر معيّنة في أذهاننا مثل الغضب، الحماس، الحزن، الفرح، وكيف أن ذلك يدفع الكلمات من أذهاننا إلى ألسنتنا من دون أن يكون لدينا القدرة أحياناً على لجمها. الحديث الواعي والتيقّظ تجاه الآخرين مهمّتان صعبتان جداً على الذهن الاعتيادي لكن يمكن تطويرها لمساعدتنا على أن نكون واعين أكثر في علاقاتنا الاجتماعية، صادقين ولطيفين أيضاً.
  • –  يقظة المراقب. هذا النوع الأصعب من اليقظة يمكن تحقيقه حين نطوّر قدرتنا على ملاحظة “التعليقات الذهنية”، الأوتوماتيكية عادة، التي يقوم بها ذهننا حين نقوم بأي عمل وحين نواجه أي موقف. لاحظ كيف يمكن للذهن أن يقفز من فكرة إلى نقيضها أحياناً. أدرك أنك لست ذهنك وأن الأفكار التي تمرّ فيه هي مجرّد أفكار وليست حقيقتك كشخص.

لم نذكر هنا ما يمكن أن تؤدي إليه تحديداً هذه الممارسات لأنها تختلف من شخص لآخر ولأننا نريد أن نترك ذلك لتجربة القارىء(ة) بحيث يكون ذهنه محرّر من مفاهيم مسبقة قد تعلق في ذهنه من هذا المقال. ما يمكننا أن نقوله فقط هو أن أي تلميذ لليقظة سوف يكتشف في نفسه وفي الحياة أمور جميلة لم يكن يعرفها سابقاً، بعضها قد يكون محزن وبعضها قد يكون مفرح، لكن النتيجة في جميع الأحوال إيجابية. الأمر الثاني هو أن عمليّة اليقظة هي عمليّة تدريجية، لكنها ليست تطوّرية في خط مستقيم؛ أي أننا نطوّر يقظتنا إلى درجة معيّنة لكن قد تمرّ أيام كثيرة علينا قد نكون فيها غير قادرين على ممارستها.

___________________

* يمكن العودة إلى فهرس العدد الرابع: “من النوم إلى اليقظة” على هذا الرابط (هنا).

___________________

Advertisements

Posted on أكتوبر 31, 2011, in مساعدة ذاتية and tagged , , , . Bookmark the permalink. 17 تعليق.

  1. مامعقول شو حلو هالتنوع والغِنى بكلّ مواضيع المدونة ..والأحلى إنوبيطلع الواحد من هون بعد كلّ زيارة بمعلومة جديدة حكماً
    طوني عن جدّ شكراً على هالجهد المميز وعلى هالمشروع التثقيفي
    تحيّاتي 🙂

    • يا هلا بنرجسة 😀
      الشكر إلك صديقتي، هلق بعد هيدا العدد رح نرتاح شوي لحتى نرجع نقدر نستأنف بعد فترة، بلكي بعد الاستئناف بتكوني مساهمة كمان بهالمساحة هون! 🙂
      ضلّي بخير

  2. اي والله صديقنا طوني عم يثقفنا 🙂 مشكور طوني

  3. هلو شكرا على اطلاعك الواسع انا ابحث في اطروحتي عن اليقظة الذهنية ممكن تفيدني في مصادر ماتكتبه

    • الصديق تسنيم،
      اعتذر عن الرد المتأخر لكن لم أدخل إلى المدونة منذ فترة.
      مصادر ما اكتب هنا هي بشكل أساسي التجربة الشخصية في تعلّم وتعليم التأمل واليقظة الذهنية في عدّة تقاليد منها الفيباسانا vipassana.
      لكن إن كنت تريد مصادر علمية هناك بعض الكتابات المهمة التي يمكن أن تبحث عنها أهمها جون كابات زين jon kabat zinn (لديه مركز لتعليم اليقظة الذهنية)، وتيش نات هان Thich Nhat Hanh (معلّم بوذي).
      هنالك أيضاً العديد من الكتب التي تتحدث عن الموضوع الصادرة عن تقليد الفيباسانا البوذي.
      لكن إن كنت تتحدث من زاوية سيكولوجية فلا أستطيع ان افيدك كثيراً في هذا المجال.
      تحياتي

    • ممكن ترد لي عن معلومات عن اليقظه الذهنيه احب استفاد منها في بحثي

  4. اشكر لك هذا الاطلاع الواسع على المتغيرات الجديدة واتمنى ان نتواصل عبر الايميل ان امكن لانك تتاخر في الرد على الاسئلة مع تحيتي

  5. لقد استفدت كثرا من ماتكتبه تاكد منذلك واستعنت بها كمصدر في الاطروحة
    الطالبة
    تسنيم

  6. رائع..

    شكرا لك ..

  7. أن كان هناك كتاب عربي يتحدث عن اليقظة ، وموقع ،أتمنى ذكره لي لأقرءة وأستفيد

  8. اهلين طوني وينك لم نعد نراك اونرى جديدك نحن بانتظارك

  9. اشكر تعاونك معنا نحن بانتظارك

  10. نتمنى منك الاستمرار والتواصل في طرح الموضوع بشكل اكثر تفصيلا

  11. اليقظة الذهنية مصطلح مشتق من اللغة البالية كلمة ساتي تعني “تذكر” ولكن كوسيلة للوعي فإنه يدل عادة على وجود للعقل، العالم النفسي إلين لانجر Ellen Langer الأستاذة في جامعة هارفارد كتب كتابا لشرح كيف يحاول الإنسان أن يطور لنفسه فنا خاصا بعيش اللحظة عنوانه Mindfulness، وهو مصطلح اخترعته لتلك الحالة النفسية النشطة من مراقبة الحاضر، والعمل بجدية على الاندماج فيه دون السماح للمؤثرات الأخرى بالتأثير فيه وتعتبر الين لانجر اول من كتبت نظرية في اليقظة الذهنية – شكرا لكم انا اكتب اطروحة في هذا الموضوع لقد استفدت من المدونة نرجو التواصل والتعاون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: