اليقظة الذهنية (1\3)

...

(المقال مترجم عن مقال بالانكليزية لطوني صغبيني، منشور في مجلة ميستيرا، العدد الثالث، آذار 2011)

 *

مع كل عام يمرّ، معظمنا يعبّر عن دهشته حول السرعة التي يمرّ بها الوقت، “كأنه البارحة”، نقولها عن حدث مرّت عليها سنوات طويلة. أسلوب عيشنا في هذا الزمن يجبرنا على خوض حياتنا بوتيرة سريعة جداً، يجبرنا على تسليم “الطيار الآلي” مسير حياتنا معظم الوقت للقيام بالمهمات المتزايدة التي يجب علينا أن نقوم بها كل يوم. هذه الطريقة بالحياة “تسرق” سنواتنا بكل ما للكلمة من معنى، تحرمنا من الاستمتاع بالحياة كما هي، وتمنعنا من أن نكون على صلة وثيقة بذواتنا الداخلية. في هذه الزحمة، نُترك مدفونين تحت أعباء الروتين اليومي وحياتنا تمرّ بسرعة أمام أعيننا. للأسف، لا يوجد زرّ إعادة في فيلم حياتنا يمكنّنا من العودة إلى لحظات بعينها، البدء من جديد وعيش ما غاب عنّا. لكن لحسن الحظّ لدينا القدرة على استعادة صلتنا بـ”هنا الآن” وعيش كل لحظة إلى أقصاها عبر ممارسة “الحضور”.

في مجتمع سريع الوتيرة، نادراً ما نقوم بأي عمل مستخدمين انتباهنا الكامل؛ جزء من وعينا مشغول دائماً بعبء ما في الماضي أو في المستقبل، سواء كان ذلك شجار البارحة في المنزل أو فاتورة يجب أن نسدّدها غداً. “اليقظة” هي الممارسة البسيطة التي نحرّر فيها وعينا من هذه الأعباء ونأخذه بالكامل لعيش اللحظة لكي نستطيع أن نستمتع بها كما هي، لكي نستطيع أن نتعامل مع ما هو أمامنا بأكثر فعاليّة ممكنة، ولكي نستطيع التواصل مع البعد اللانهائي من كينونتنا.

جون كابات زين، مؤسس مركز تخفيف التوتّر المرتكز على ممارسة “اليقظة” في جامعة ماساشوستس يعرّف “اليقظة” بأنها “إعطاء الانتباه، بطريقة محدّدة وإرادية إلى اللحظة الآنية من دون أن نقيّم شيء ذهنياً”. المعلّم البوذي تيش نات هان يعرّفها بأنها “القدرة على أن نكون واعين لما هو موجود وما يجري هنا في هذه اللحظة بالذات”. “اليقظة” تبدو ممارسة بسيطة وفقاً لهذا الوصف لكنها في الواقع ممارسة صعبة جداً في الحياة.

*

منافع اليقظة

جميعنا تقريباً سمعنا أمهاتنا يقولون لنا أن نأكل طعامنا بشكل واعي: “أطفأ التلفاز، أغلق ذاك الكتاب، لا تأكل على الكمبيوتر، اترك كل شيء وتعال على العشاء!”، هي أمثلة قليلة عن هذه الحكمة الأمومية الخفيّة. الأكل غير الواعي (حين نأكل فيما نفعل أمر آخر)، كما بات معروف الآن، يؤدّي إلى مشاكل هضمية وإلى زيادة في الوزن لأنه يجعل أعضائنا الهضميّة أقلّ فعاليّة ويجعل عقولنا غير متيقظة لكميّة الطعام التي تدخل إلى أجسادنا. هذه الحكمة الشعبية تجد صداها في الواقع في كل نواحي الحياة. الأبحاث في الطب التكاملي، الذي يقوم على نظرة شمولية للصحّة، تظهر بأن أجسادنا (وحتى أعضاؤنا الداخلية) وعقولنا تحتاج لانتباهنا، لتيقّظنا الذهني، لتعزيز فعاليّة كلّ العمليات الذهنية والبيولوجية.

يكفي أن نقارن بين فعاليّة أي عمل نقوم به في حالتي اليقظة والشرود لنكتشف كم أن ذلك يؤثّر على فعاليتنا في أدائه؛ إن كان ذلك قيادة سيارة، ممارسة الرياضة، قراءة كتاب، التعلّم في الصفّ أم الإنصات لشخص آخر.

اليقظة هي وفقاً للعديد من التقاليد الروحية الهدف الأساسي من التأمل. وسادة التأمل هي أرض التدريب لعقولنا حيث يمكننا أن ننمّي قدرتنا على اليقظة لكي نمارسها فيما بعد في بقيّة يومنا وفي الحياة بشكل عام. التأمل في العمق، ليس مجرّد طريقة للاسترخاء والتخلّص من الضغط وتحسين الصحة كما يروّج له اليوم؛ بل هو في الأساس طريق الذهن والروح نحو التحرّر، السلام والتنوّر. الاسترخاء وتحسّن الصحة هي نتائج جانبية في التأمل وليست هدفاً له.

تطوير اليقظة يساعدنا كثيراً على تحويل أنفسنا من العيش في حالة مستمرّة من ردّ الفعل إلى الحالة الواعية للفعل، أي بحيث يمكننا أن نكون نحن المسؤولين عن أنفسنا ومزاجنا وأفعالنا لا العكس. اليقظة تساعدنا على التخلّص من العادات السيئة بشكل تدريجي وتفتح لنا الباب لرؤية العالم والآخرين كما هم، في كلّ لحظة، من دون أعباء الأحكام المسبقة والتوقّعات المستقبلية.

اليقظة هي قمّة الإفادة من ممارسة التأمل، ويمكن أن تغيّر حياتنا بطرق كثير، منها مثلاً:

  • –  المزيد من التركيز: حين نركّز انتباهنا نكتسب المزيد من السيطرة والقوّة في جميع مجالات حياتنا. التركيز المتأتي عن اليقظة يحسّن أداءنا في العمل، في الدراسة، في الحياة الاجتماعية وحتى في التسلية.
  • –  الاستمتاع بما تحمله حواسنا إلينا بشكل أكبر: كل ما نستمتع به؛ الطعام، الموسيقى، الفنّ، الكتب، الرياضة، الرقص، الجنس… يتحسّن كثيراً حين نمتلك القدرة على الاسترخاء والتحرّر من الضغوط وجلب وعينا الجسدي والذهني الكامل إلى حواسنا.
  • –  المزيد من اليقظة تجاه مشاعرنا: حين نكون متيقظين تجاه كينونتنا الداخلية، سيكون لدينا قدرة متصاعدة على ملاحظة حالة وتغيّرات مشاعرنا الحقيقية، خاصة تلك السلبية. هذا ما يعطينا قدرة أكبر على التعاطي مع هذه المشاعر بشكل واعي ومثمر أكثر وأكثر كلّ مرّة. اليقظة تجاه مشاعرنا تساعدنا على أن نفهم أنفسنا أكثر وعلى تحرير أنفسنا من سطوة العادات العاطفية المؤذية. هذا الأمر يساعد أيضاً على خلق مساحة تنفّس لمشاعرنا تساعدها على الخروج والظهور بدل أن تتراكم في اللاوعي وتنتج مشاكل عاطفية أو نفسية في مراحل لاحقة.
  • –  الشعور المتزايد بالغبطة: التيقّظ المتّصل بـ”هنا الآن” يهدىء الذهن من أعباء كثيرة ويسمح لنا أن نختبر أكثر فأكثر شعور داخلي بالسلام والسعادة. تهدئة الذهن، خاصة بالنسبة للذين يقلقون ويفكّرون كثيراً، تساعدنا على أن نكون هادئين، متوازنين ومرتاحين أكثر.
  • –  الاتصال بشكل أعمق مع الآخرين: حين نحقّق مستوى معين من السلام الداخلي، وتنسحب الأعباء والإلهاءات إلى الخلفية الصامتة، سيكون بامكاننا أن نتصّل بشكل أعمق مع الآخرين وتعزيز عرفاننا بالجميل، تعاطفنا وربّما حبّنا للآخرين. السبب بكل بساطة هو أن ذاتنا ستكون أكثر نشاطاً وقدرة على التواصل مع الغير حين تكون أعبائها الذهنية والحياتية أقلّ.
  • –  تفتّح الذات تجاه البعد الروحي: الشعور المتزايد بالحرية الداخلية، السلام والوعي يربطنا أكثر بالشعور بغاية تتجاوزنا كأشخاص وتفتح الطريق مباشرة لاختبار الحياة بأبعد من بعدها المادي وفتح ذواتنا تجاه بعدها الروحي والوحدة الوجودية التي تجمع كل شيء في هذا العالم.
  • ___________________

    * يمكن العودة إلى فهرس العدد الرابع: “من النوم إلى اليقظة” على هذا الرابط (هنا).

    ___________________

Advertisements

Posted on أكتوبر 27, 2011, in مساعدة ذاتية and tagged , , , , . Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

  1. شكرا لك..

  2. هل يمكنك اعطائي البريد الالكتروني للكاتب طوني صبغيني

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: