“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 3)*

قانون التجاذب.. باختصار أيضاً وأيضاً


الخمول بدل النمو الذاتي

وصفة “قانون التجاذب” من أجل تجنّب الأمراض والحوادث وجلب النجاح والمال والشهرة تكمن في معظم الأحيان في تقنية بسيطة: ترديد عبارات إيجابية تأكيدية Affirmations  من قبيل “أنا سعيدة، أنا سعيدة، أنا سعيدة”، و”لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال، لدي الكثير من المال”. وهكذا، يعدنا دعاة قانون التجاذب بأننا إن رددنا هذه الجمل باقتناع وحرارة لدرجة كافية لإقناع عقلنا الباطني بها (ومعه الكون بأكمله أيضاً)، سوف نجد السعادة والمال (والسيارات) تتدفق إلينا كما نتمنى. من لم يقرأ كتب عن قانون التجاذب قد يعتقد أن في هذا المثال مبالغة، لذا ننصحه بالتقاط أي كتاب في هذا المجال للتأكد من ذلك مثل كتاب “السرّ”.

تقول روندا بايرن في هذا الكتاب أنه “سيكشف كيف يمكنك تغيير كل شيء في حياتك. كيف تستطيع تحويل ضعفك إلى قوّة، نفوذ، ووفرة غير محدودة وصحّة وسعادة”. إذاً، نستنتج أنه بدل التمرّن في النادي الرياضي كل يوم من أجل الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، يمكننا الاكتفاء صباحاً بترديد بضعة عبارات من قبيل “أنا بطل العالم في الرياضة، أنا بطل العالم، أنا بطل العالم” للحصول على نفس النتيجة؟ هنالك من يسمّي هذا الهراء بالـ”قانون”.

من هذه الناحية، يشجّع قانون التجاذب بنسخته التجارية على الخمول والاتكالية، لأنه يوهم الناس بأنهم يمكنهم الحصول على كل شيء يريدونه من دون جهد، ويعلّمهم أن معالجة أي مشكلة تتم عبر ترديد جملة “سحرية” بدل أن يشجّعهم على النهوض عن الكنبة وتغيير حياتهم فعلياً على أرض الواقع.

روحانية المال

الروحانية المادّية

إن قانون التجاذب بنسخته التجارية لا يمتّ للجانب الروحاني بأي صلة إذ إن دعاته يعدون الناس بأن تطبيق هذا القانون في حياتهم يجلب لهم منافع مادية لا علاقة لها بالنموّ الذاتي أو الروحي. تقول بيرن مثلاً في كتابها الثاني، “القوّة” (الذي يحمل نفس مضمون كتاب “السرّ” لكن بتعابير مختلفة):

“’القوّة’ هي كل شيء تريده. الصحّة المثالية، العلاقات الاستثنائية، مهنة تحبّها، حياة مليئة بالسعادة، والمال الذي تحتاجه لتكون وتفعل وتمتلك كل شيء أردته، كلّه يأتي من ‘القوّة’. حياة أحلامك هي أقرب إليك مما تدركه، لأن القوّة – للحصول عى كل شيء جيّد في الحياة – هي داخلك”[1].

طبعاً، القوّة التي تتحدث عنها بيرن هي نفسها “النيّة”، التي يُفترض وفقاً لكتبها، أن تكون قادرة على تمليكنا سيارة جديدة حتى لو كنّا عاطلين عن العمل. فلنلاحظ هنا، أنه حتى الآن، كل دعاة “قانون التجاذب” يعدون القارىء بالحصول على المال والحبّ والجمال والشهرة، ولا يشجّعوه على القيام بأي نموّ داخلي أو تحسين ذاتي أو رحلة روحيّة، ولا يقدّمون أي أداة عمليّة في هذا المجال أساساً. أما التقنيات السيكولوجية المذكورة على متن كتب “قانون التجاذب” (مثل ترديد الجمل التأكيدية)، فهي قد تكون فعّالة مع بعض الناس وفي بعض المواقف فقط، لكنها لا تؤدي إلى النموّ الروحي أو الذاتي.

“الروحانيّة المادّية” في قانون كتاب “السرّ” لها مقلّدين في معظم أنحاء العالم، ومنه العالم العربي ولبنان. كتاب مدربّة النمو الشخصي كلير عواضة الصادر في لبنان بعنوان “آمن لتحقّق” Believe to Achieve  يقدّم نفسه على أنه “مبادىء التفكير الإيجابي لحلّ المشاكل العاطفية والجنسيّة والحصول على فارس الأحلام والرشاقة وعلاج الأمراض” (أنظر الصورة أدناه)، وفي مكان آخر تقول المؤلفة “برمج دماغك وعقلك وغيّر حياتك كما تريد بـ 7 قوانين”.

.

وصف كتاب "آمن لتحقّق" يزعم أنه "سيعلّمك كيف تحقّق ما تتمناه"، مع تركيز على النجاح المالي والعاطفي بطبيعة الحال. من موقع الكتاب:

في سياق آخر، من يقرأ الكتب التي تتحدّث عن قانون التجاذب سيخيّل إليه أن كل إنسان يعيش بمفرده على كوكب خاص به، إذ أن هذه الكتب لا تخبرنا مثلاً ماذا يحصل إن تعارضت أفكارنا ونوايانا مع نوايا شخص آخر؟ ماذا يحصل إن كان هنالك مئة شخص يركّزون طاقتهم النفسية والذهنية للحصول على نفس المنزل، من يحصل عليه بينهم؟ كيف يختار الكون الرابح في هذه الحالة؟ ماذا يحصل إن كانت الأمنية التي أردّدها صبحاً ومساءً مستحيلة التحقق؟ ماذا يحصل إن كان تحقيقها يتطلّب تغيير إرادة شخص آخر، كأن يقع في غرامنا مثلاً، هل بإمكان النيّة، واقعياً، تغيير الإرادة الحرّة لشخص آخر؟

طبعاً، كما هو متوقّع، بعض أقطاب روحانية “العصر الجديد” يقدّمون مخرجاً لهذه المعضلة بالانفصال أكثر عن الواقع والقول أن الكون يمكنه أن يقدّم لنا كل “الفائض” فيه، كل الجمال والمال والنجاح للجميع من دون أي نقصان كأننا نعيش على كوكب لانهائي. تقول بيرن في “السرّ”:

“الكون هو المؤنة والمزوّد الكوني لكل شيء… فكّر بقانون التجاذب كقانون التزويد”[2].

مؤلفة معروفة أخرى في مجال النيو-آيج، شاكتي غواين، تقول في كتاب “العيش في الضوء”:

“إني أقول أننا يمكننا الحصول على كل شيء يمكن للعالم تقديمه، كل العلاقات، الجمال، القوّة والمتعة التي نريدها”[3].

يبدو أنه على البعض أخذ دروس في الجغرافيا ليكتشفوا أننا نعيش على كوكب محدود الحجم والموارد ولا يمكن لكل شخص فيه امتلاك 100 منزل و500 سيارة كما يحلم، كما أنه لا يمكن لسبعة مليارات نسمة على الكوكب أن يجنوا كل الثروات ويحققوا كل الشهرة في وقت واحد.

* * *

نسخة “العصر الجديد” من “قانون التجاذب” قد تبدو للوهلة الأولى نظرة ورديّة جميلة للحياة، لكنها للأسف تسقط عند أوّل امتحان منطقي. وسبب هذا السقوط بسيط؛ “قانون التجاذب” هو نتيجة منطقية لطبيعة الحياة في العديد من الأماكن، لكنّه لا يصلح كنظرة شاملة للحياة والكون والوجود كما يدعو أنصاره، كما أنه لا يصلح كمنهج عملي للحياة اليومية إلا في بعض الأمور النفسيّة المحدودة.

لا يمكن اختصار الآليات والقوانين التي تحكم الكون بقانون واحد بهذا الشكل التبسيطي. الكون والحياة تحكمهما العديد من القوانين التي تحتاج الكثير من الوقت والدراسة لنكتشفها ونفهمها بالكامل، وما هو معروف بقانون التجاذب ليس سوى واحداً منها وقد يكون الأقل شأناً.

قانون التجاذب بنسخته “النيو-آيجية” لا مكان له في الروحانية أو الفلسفة أو العلم أو المساعدة الذاتية؛ يبدو أن أكثر الأشخاص الذين استفادوا منه حتى الآن هم أصحاب الكتب والدعاة الذين جنوا الأموال الطائلة من مبيعاتهم ومحاضراتهم فيما كان قرّاؤهم المتحمّسون، والفقراء على الأغلب، يردّدون وحيدين في المنزل: “لديّ الكثير من المال، لديّ الكثير من المال، لديّ الكثير من المال”.


[1] وصف كتاب “القوّة” على الغلاف الخارجي، روندا بيرن، مترجم من الإنكليزية.

[2]  كتاب السرّ، روندا بيرن، مترجم مباشرة عن الإنكليزية، ص 163.

[3]  العيش في الضوء، شاكتي غواين، مترجم مباشرة عن الإنكليزية، ص 21.

_____________________________________

* المقال المعنون برمز النجمة – * – هو مقال رأي يعبّر عن رأي مؤلفه ولا يعبّر بالضرورة عن الرأي الرسمي لمدوّنة اسكندرية 415.

_____________________________________

يمكن العودة إلى فهرس العدد الثاني على هذا الرابط: الذهن على المادّة، القدرات الخفيّة للإنسان

*

Advertisements

Posted on أغسطس 8, 2011, in مفاهيم, مقالات رأي and tagged , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 8 تعليقات.

  1. له له يا طوني بفتكر كتاب The secret اسخف من انو يقتبس بمقال…
    كتاب تافه جدا” و قانون ال Positivisim اقرب ليكون منطق جحشنة 🙂

    مشتاقون

    • ولك هلا 😀
      يمكن الكتاب وكل فكرته هوي متل ما انت قلت، بس على قدّ ما عم ياخد شعبية ويحاصرلنا تفكيرنا، خاصة بالأوساط “البديلة” استحقّ برشة 😀
      نحنا بالاكتر معلّم

  2. يمكن لازم بمطرح من المطارح نعترف انو شعبية هذة الفلسفات البديلة التافهة نابعة من الفراغ الروحي الناتج عن البتعاد عن الاديان. البحث عن الخالق او القوة الكونية هي رحلة شاقة ويلي عم يبتعد عن الاديان لحاجته الى تبرير منطقي عليه ان يبحث بجهد, يعني بعدو المنطق الابراهيمي ارحم الف مرة من منطق روندا بايرن التافه.
    من تحت الدلفة لتحت المزراب 😀

    على فكرة ممكن يكون عندي شي تلات اربع ايام ازمط فيهن على لبنان بركي منتلاقى

  3. nice article, and all what I was thinking about while I am reading are these words :

    (“يبدو أن أكثر الأشخاص الذين استفادوا منه حتى الآن هم أصحاب الكتب والدعاة الذين جنوا الأموال الطائلة من مبيعاتهم ومحاضراتهم فيما كان قرّاؤهم المتحمّسون، والفقراء على الأغلب، يردّدون وحيدين في المنزل: “لديّ الكثير من المال، لديّ الكثير من المال، لديّ الكثير من المال”.”)

  4. علي الشرقاوي

    أمن به وستراه

  5. محمد الزبيدي

    اؤمن بقانون التجاذب واعيش حياتي بهذا الايمان والتفاؤل دائما والهروب من الافكار السلبيه
    والحمد لله ارى نتائج هذا القانون الايجابيه في حياتي ..
    الانسان يعمل كغيره لا يتمنى فقط . . ولكن الامور المتعلقه بالحظوظ اذا اردناها جميله تكن جميله
    واذا وسوسنا وتشاءمنا تكن سيئه كما اعتقدنا
    اعتقد ان قانون التجاذب له دور كبير في تحوّل حياتي للافضل
    وهناك ايات في القران تثبت لي ذلك ايضا
    [ الشيطان يعدكم الفقر والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ]
    اذاً الفقر نتيجة وسوسه من وساوس الشيطان
    لو تفاءلنا لوجدنا الجميل
    وفي الحديث الشريف [ انا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ماشاء ]
    اذاً حياتنا في الواقع هي نتاج ظنوننا بالله فلنظن ماشئنا
    تحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: