“قانون التجاذب”: نقد روحي وعملي (جزء 2)*

بحلوها ومرّها، نفتح ذراعينا للحياة!

تجنّب الحياة بدل التعلّم منها

رغم أن روحانية العصر الجديد تزعم أنها استخلصت قانون التجاذب من الحكمة القديمة، إلا أنها تأخذه في اتجاه معاكس تماماً. الحكمة القديمة تعلّمنا أنه علينا قبول الحياة بوجهيها، حلوها ومرّها، جيّدها وسيّئها، وأخذ الدروس من مختلف التجارب التي نتعرّض لها في الحياة. وهي تعلّمنا أننا كأفراد، مسؤولين، لا عن أحداث الحياة، بل عن كيفية التعامل معها.

وفقاً للمدارس القديمة والمنطق البديهي، ما يحصل لنا في الحياة غير مرتبط بإرادتنا وحدها بل بملايين الخيارات الفردية والجماعية الأخرى التي لا حصر لها والتي ربما بدأت تتسلسل قبل ولادتنا. الهدف الأخير وفقاً للحكمة القديمة هو تعلّم الدروس من الحياة، معرفة الذات وتنميتها وإرساء الفضيلة في أعماقها، والدروس هذه لا يمكن تعلّمها من دون أيام صعبة ومن دون اختبار الحياة بكافة أوجهها. لذا كان الحكماء يعتقدون أن الحياة تعطينا ما نحتاجه تماماً لننمو، الظروف الأصعب هي في الواقع الفرصة الأمثل للتعلّم والنموّ. حين يفكّر كلّ منّا في حياته، سيجد أننا نتعلّم الدروس الأكثر أهمية من الصعوبات التي نمرّ بها لا من الأيام السهلة التي نعيشها؛ نحن ندين للتحدّيات في حياتنا أكثر بكثير مما ندين للأمور السهلة. الحياة السهلة التي لا يوجد فيها تحديات لا تعلّمنا شيئاً، ويحصل عليها من لا يريدون تعلّم شيء في حياتهم الحالية على الأرض. الاديب اللبناني-الأميركي جبران خليل جبران (1883 – 1931) يعبّر عن هذه الحكمة في جملة جميلة، يقول: “من المعاناة خرجت أقوى الأرواح؛ أعظم الوجوه هي تلك المكويّة بالندبات”.

طرح قانون التجاذب ينقض كلّ هذه الرؤية التي يدّعي أنه ينبثق منها. دعاة قانون التجاذب يدعون الناس للتفكير الإيجابي المطلق بهدف تجنّب كل الأمور السيّئة في الحياة؛ تجنّب المرض، تجنّب الحزن، تجنّب الفقر وتجنّب كل الحوادث السيئة. وهذه نظرة غير واقعية لأن أمور مثل التألم، المرض، الحزن، الغضب، الإحباط والموت، هي جزء لا يتجزأ من الوجود ولا يمكن تجاوزها، كما أن أحداث الحياة  والمشاعر المرتبطة بها ليست مجموعات من السمك “نجذبها” إلينا عبر صنّارة النيّة.

قانون التجاذب من هذه الناحية يدعو أتباعه للهروب من الحياة ومن الأمور الصعبة فيها بدل أن يعلّمهم كيفية مواجهتها والتعلّم منها. لكن ما هي إجابة “قانون التجاذب” إذا استمرّ الشخص بالتعرّض لظروف سيئة؟ الجواب: عقدة الذنب.

قانون التجاذب يعمل لكنه ليس القانون الأوحد في الكون

قانون التجاذب وعقدة الذنب

كيف تفسّر روحانية العصر الجديد حصول حادث سيّء لشخص أمضى سنوات يفكّر بأمور إيجابية من دون إنقطاع؟ تجيب بأن هذا الشخص هو من جلب هذا الحادث لحياته بطريقة أو بأخرى! أي أنها تحمّل الضحية مسؤولية ما يحدث له من سوء، لأنه وفقاً لها، السيء يجذب السيء فقط والجيّد يجذب الجيّد.

الأمر نفسه يتعلّق بالمسؤولية عن الوقوع في المرض. يقول نيل دونالد والش في كتاب “محادثات مع الله”: “البلاء والمرض يظهرون في الواقع (المادي) بإرادتنا. لا يمكن أن تكون مريضاً من دون أن تكون قد سبّبت المرض لنفسك على مستوى ما. وأنت تستطيع أن تكون معافى مجدداً في ثانية واحدة إن قرّرت ذلك بكل بساطة”[1].

إجابة مؤلفة كتاب “السرّ”، روندا بيرن، لأحد الصحافيين عن موجات التسونامي التي ضربت شرق آسيا عام 2008 وأودت بحياة عشرات آلاف الأشخاص، هي خير معبّر عن هذه الذهنية. قالت بيرن وقتها أن الكوارث الطبيعية تضرب “من هم على نفس تردّد الحدث”، مشيرة إلى أن ضحايا التسونامي كان يمكنهم إنقاذ أنفسهم عبر “التفكير الإيجابي”[2].

من هذه الناحية، إن عقيدة “قانون التجاذب” هي شكل آخر لعقيدة “الثواب والعقاب”، لأنها تعتبر أن الأمور السيئة في الحياة هي عقاب “كوني” للشخص وليست مجرّد جزء من الحياة. اعتناق هذا القانون يشجّع كل شخص باستمرار على الشعور بالذنب تجاه الأحداث السيئة التي تحصل في حياته والتي لا يد له فيها، كما أنها تشجّعه على رفض ذاته باستمرار بدل قبولها لأن كل الأمور السلبية التي تحصل له في الحياة، وفقاً لقانون التجاذب، هي نتيجة مشكلة سلبيّة في تفكيره وشخصيته ونواياه. في المحصّلة النهائية، الروحانية التي تدّعي أنها تشجّع الشخص على التفكير الإجابي، تصل في نهاية المطاف إلى تشجيعه على أكثر المشاعر السلبية على الإطلاق: إنها عقدة الذنب مرّة أخرى…


[1]  محادثات مع الله، دونالد والش، ص 32، مترجم مباشرة عن الإنكليزية، طبعة 1995.

[2] Goldberg, Michelle (October 11, 2009). “Barbara Ehrenreich’s Bright-Sided Explores the Dark Side of Positive Thinking”. Religion Dispatches.

_____________________________________

* المقال المعنون برمز النجمة – * – هو مقال رأي يعبّر عن رأي مؤلفه ولا يعبّر بالضرورة عن الرأي الرسمي لمدوّنة اسكندرية 415.

_____________________________________

يمكن العودة إلى فهرس العدد الثاني على هذا الرابط: الذهن على المادّة، القدرات الخفيّة للإنسان

*

Advertisements

Posted on أغسطس 1, 2011, in مفاهيم, مقالات رأي and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 3 تعليقات.

  1. ممتاز!

    قانون التجاذب بيعطي للإنسان بطاقة يمشي بطريق السعادة الكبرى، بس بيعطيهوش بطاقة الرجعة إذا صار معو مطبّ بنصّ الطريق، يعني فعليا هوي بيقول: ضلّك إيجابي وضلّك طالع بخط واحد مستقيم تصاعدي وحياتك بتتزبّط! بس الحياة مش خط طالع أو خط نازل، الحياة دواير دواير، وقانون التجاذب فاشل بالتعامل مع الخطوط المنحنية 😀

    حبيت المقال، بس حسيتو قصير، كان فيك تتوسّع أكتر ببعض الأماكن.
    تعطيك العافية.

    • صباح الخير : )
      مية بالمية، يمكن بمطرح معيّن بيساعد الشخص يكون إيجابي، بس اذا كانت النتيجة سلبية بتكون النتيجة النفسيّة أسوأ. يمكن الأفضل نتعلّم كيف نكون إيجابيين بالحياة بغض النظر عن أحداثها، هالشي صعب بس مش مستحيل.
      حبيت قصّة الخطوط 🙂
      صحيح المقال هون قصير شوي، بس لأن طالع كمجموع تلات أجزاء، حسيتو صار كبير كتير كرمال هيك ما توسعت بكل نقطة لحتى اقدر احكي عن النقط التانية.
      يعافيكي عبّور

  2. قراءة نقدية موفقة حيث أنك لم تنكر وجود قانون التجاذب و في الوقت عينه اعتبرته واحد من ضمن العديد من القوانين التي بتشابكاتها و تقاطعاتها تؤثر على الحياة بشكل او باخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: