هل الأديان كلها “واحد”*

...

طوني صغبيني

هنالك مقولة شهيرة حول الأديان نسمعها منذ الصِغَر وفي كلّ مكان؛ مقولة تجزم بأن الأديان كلها “واحد”، وأن جميعها تدعو إلى نفس الأمور الأخلاقية، تؤدي في نهاية المطاف إلى نفس النتيجة كما تحقّق نفس الغاية. المقولة هذه شعبية في أوساط الأديان السماوية التي تستعملها لتخفيف التوتّر والصراع التاريخي بين أتباعها، كما أنها المقولة المفضّلة للتيارات الفكرية المادّية والإلحادية التي ترى أن كلّ الأديان ليست سوى وسيلة للسيطرة على الشعوب وتخديرها. لكن هل جميع الأديان تقود فعلاً إلى نفس الغاية؟ فلنبحث قليلاً في هذا السؤال المحرّم.

حين ندرس الأديان لا يمكننا سوى أن نلاحظ أنه هنالك تشابه شكلي كبير بين معظم الأديان حول العالم، لكن هذا التشابه الشكلي، في رأينا المتواضع، لا يعكس تشابهاً في المضمون بل العكس.

معظم مدارس الحكمة القديمة تعتبر أنه في زمن الخطوات الأولى للجنس البشري على هذه الأرض، كان الإنسان يمتلك دين عالمي واحد ضاع مع الوقت في غياهب الصراعات والإنهيارات والفهم الخاطىء والتشتت الجغرافي للبشر في كافة أصقاع الأرض. تؤمن هذه النظرة بأن جميع الأديان الحالية تحمل بين طيّاتها القليل من حروف ذاك الدين المنسي، من دون أن تحمل أي منها حقيقته المطلقة. الفرضية القديمة هذه تعترف بالاختلاف الكبير بين الأديان لكنها ترى أنه يمكن تجاوز ذلك بإعادة إدراك الدين القديم الواحد.

بعيداً عن الفرضيات الباطنيّة القديمة، من الناحية الروحية، القول أن كلّ الأديان لها غاية واحدة أو أنها تعبد نفس الخالق هو اختزال لا يعبّر عن الواقع.

يقول الباحث في علم الأديان، ستيفن بروثيرو، مؤلف كتاب “الله ليس واحد“، أن الأديان تختلف لأن الأسئلة الأساسية التي طرحتها هي أسئلة مختلفة؛ فالمسيحية تساءلت عن كيفية تحقيق الخلاص من الخطيئة الأصليّة، والهندوسية تساءلت عن كيفية الانتهاء من دورة تناسخ الأرواح، والبوذية انطلقت من التساؤل حول كيفية التغلّب على المعاناة، وكل منها خرجت في نهاية المطاف بجواب مختلف، بممارسات مختلفة، وبوسيلة فكرية ودينية مختلفة.

الأديان الحيّة في العالم اليوم ليست واحد؛ لا في أسئلتها، لا في أجوبتها، لا في غايتها ولا في فلسفتها ولا في بنيتها العامة. وإن كان هنالك من تشابه، فالتشابه هو بين كل مجموعة من الأديان على حدة: هنالك تشابه كبير مثلاً بين الأديان التوحيدية الإبراهيمية، وهنالك تشابه بين الأديان الدارمية، لكن هنالك اختلاف شاسع بين عائلتي الأديان التوحيدية والأديان الدارمية.

الأديان الإبراهيمية يجمعها التوحيد – الإيمان بإله واحد له صفات معروفة، يجمعها وجود كتب مقدّسة تُعتبر أنها كلام الله أو وحي منه، ويجمعها فكرة وجود نبي-رسول واحد وأولياء صالحين غيره، كما تشترك في فلسفتها الثنائية القائمة على الثواب والعقاب، الجنّة والنار والخير والشر. بالإضافة إلى ذلك كله، تشترك هذه الأديان بوجود مؤسسة دينية مركزية تقتصر على الرجال. هذه الأمور كلها، التي تُعتبر أحياناً أنها مشتركة بين كل الأديان، هي في الواقع مشتركة فقط بين الأديان التوحيدية وبعض الأديان الدارمية كالهندوسية الفيدانتية (توحيديّة).

معظم الأديان الأخرى حول العالم لا تمتلك نصوص “منزلة” رغم أنها تعطي أهمية كبيرة لبعض النصوص المقدّسة، كما أنها لا تمتلك أنبياء (مثل الجانية التي أسسها 24 معلّم على التوالي لا شخص واحد، ومثل الوثنية المتوسّطية التي تمتلك مدارس فلسفية مختلفة لا أنبياء ورسل). بعض الأديان لا تؤمن مثلاً بنظرية خلق الكون من قبل إله بل تعتبر أن الكون انبثاق ذاتي ناتج عن جوهره نفسه (كما في الجانية، البوذية، بعض الفروع الهندوسية وبعض التيارات الوثنية المتوسّطية)، وبعض الأديان يمكن أن تندرج في إطار إلحادي إذ إنها لا تؤمن حتى بوجود إله أسمى مثل بعض الطوائف البوذية.

كرؤية فلسفية عمليّة، هنالك أديان تعتبر أن الحالة الطبيعية في العالم هي الصراع مع الظلام والشرّ مثل الزرادشتية فيما هنالك أديان لا تؤمن بوجود الشيطان وتعتبر أن الظلمة جزء أساسي من الحياة. الأديان الأخيرة تمتلك نظرة نسبية ومرنة تجاه مفهوم “الشرّ” بل إنها تقوم في بعض الأحيان على تكريم القوى “التدميريّة” بدل شجبها كمحاولة لفهم هذا الجزء الأساسي في الحياة.

...

من ناحية أسلوب الحياة، هنالك أديان تشدّد كثيراً على الزهد والتقشّف والابتعاد عن الملذات الدنيوية مثل البوذية والهندوسية فيما هنالك أديان تعتبر أن ممارسة الحياة الدنيوية إلى حدها الأقصى جسدياً هو المدخل للتنوّر الروحي كما لدى طوائف التانترا وبعض الأديان الأفريقية. هنالك أديان تمنع أتباعها من مخالطة أتباع الديانات الأخرى وتدعوهم إلى إخضاعهم أو إقناعهم بالدين، فيما هنالك أديان متسامحة لدرجة أنها تتيح لأتباعها اعتناق أكثر من دين في الوقت نفسه.

من الناحية الزجريّة، هنالك أديان تؤمن بأن الآلهة تعاقب البشر على أعمالها كما في الأديان الإبراهيمية، وفي المقابل هنالك أديان تعتبر أن قانون السبب والنتيجة هو قانون طبيعي منفصل عن أي إرادة إلهية (مثل مفهوم الكارما في الفلسفات الشرقية). وهنالك أديان تؤمن بالجنّة والنار كتلك الإبراهيمية وبعض الطوائف البوذية والهندوسية، فيما هنالك أديان تعتبر أن الجميع يذهب إلى المكان نفسه بعد الموت كالعالم السفلي لدى الأديان الوثنية. وهنالك أديان تعتبر أننا نعيش مرة واحدة على هذه الأرض فيما هنالك أديان تؤمن بأننا نتقمّص آلاف المرات في أجساد مختلفة لكي نتعلّم الدروس الروحية التي يجب أن نتعلّمها في حياتنا الأرضية. وهنالك أديان تعتبر أنها تمتلك رؤية دقيقة وواضحة عن ماهيّة المقدّس، وهنالك أديان تترك تعريف المقدّس واختباره لأتباعها الذين يمكن أن يروه واحداً، ثنائياً (ذكر وأنثى) أم متعدّداً.

الغاية من الحياة في بعض الأديان هي الوصول إلى الجنّة، في بعضها الآخر الغاية هي الارتقاء الروحي بين حياة وأخرى، وفي بعضها، مثل الوثنيّة القديمة، الغاية من الحياة هي الحياة نفسها.

هل أضحى واضحاً الآن أن الحديث عن وحدة الأديان فيه نوع من الاختزال بحقّ تنوّعها وتعدّديتها؟

قد يكون الاختزال الأكاديمي والشعبي للأديان على أنها “واحد” نابع من خطورة المقولة المعاكسة. الإضاءة على الاختلاف بين الأديان يمكن أن يؤجج التنافس والصراع بينها، لكن ذلك يمكنه أيضاً أن يحقّق العكس: الإضاءة على الاختلافات وفهمها تعمّق إدراكنا لبعضنا البعض وتفسح المجال للتغلّب على الصراعات الدينية عبر فهم أفضل للبنية الفكرية التي تقف ورائها. ليس ضرورياً أن تكون الأديان كلها “واحد” لكي نتعلّم احترامها والعيش معها. صحيح أن عملية فهم الاختلافات قد تؤدي أحياناً إلى زيادة الصراع الفكري بين المدارس الروحية المختلفة، لكن هذا الصراع صحّي وإيجابي وجزء لا يتجزأ من آلية نموّ وبقاء المجتمع البشري لأنه بكل بساطة يسمح بتنقية المؤسسات والعقائد والأديان مما قد يعلق فيها على مرّ السنوات من أفكار سلبيّة.

فهم الاختلاف بين الأديان يساعد أيضاً كل شخص على البحث عن مساره الروحي الخاص بشكل أفضل؛ ويتيح لنا رؤية الألوان الحقيقية لمجتمعنا البشري، وهي ألوان متعدّدة ومتنوّعة وجميلة جداً، وذلك يساعدنا أيضاً على فهم أنفسنا أكثر (ومنها مسارنا الروحي الخاص).

المجتمع البشري الناضج لا ينكر الاختلافات الروحية والدينية فيه خوفاً من التهام بعضه بعضاً؛ المجتمع الناضج هو ذلك الذي يستطيع تحقيق وحدة الحياة لأفراده عبر الاعتراف بخيارات ومعتقدات ومسارات كلّ واحد منهم… حتى ولو كانوا سبعة مليار كائن.

_____________________________________

* المقال المعنون برمز النجمة – * – هو مقال رأي لا يعبّر بالضرورة عن الرأي الرسمي لمدوّنة اسكندرية 415.

_____________________________________

*

العودة إلى فهرس العدد الأوّل: اسكندرية 415، العدد الأوّل: مقدّس بوجوه كثيرة

*

Posted on يونيو 20, 2011, in مقالات رأي and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

  1. حلو كتير هالتحليل،
    بالنسبة للبعض ألي بيعتبرو إنو الأديان وجدت للسيطرة على الأرض أو الناس أو العالم (ما بيهم), أنا ما بوافقون الرأي,
    أنا بعتبر (إذا شلنا الايمان على جنب) إنو الأديان شي لا بد منو لتطور المجتمع، بمعنى تاني “الأديان” فينا نعتبرها حالات أو مدارس فلسفية و روحية و محاولات للانسان لحتى يلاقي اجوبة على اسئلتو, لهيك منشوف إنو الأديان انوجدت بالاوقات اللي كان العلم فيها (متأخر) أو مو قد إنو يجاوب على الأسئلة و المظاهر ألي صارت بوقتها.
    أكيد الأديان مش متل بعضها (مع إن معرفتي بسيطة بهالمجال) و ألاديان اللي بتشبه بعضها منلاحظ إنو بيكون في ترابط بين بعضها بالمجتمع و المنطقة، مثال الأديان التوحيدية افكارها متقاربة متل الأمكنة ألي انوجدت فيها، و كذلك الأديان باسيا و الأديان القديمه بالعهد الاغريقي و الروماني.
    أنا بصراحة ما عندي ألاطلاع الكبير على الأديان لهيك إذا في حدا يصحح الأخطاء او عندو أي شي بأكد عكس ألي عم قولو بتمنى يفيدني، شكرا

  1. تنبيه: العدد 1 – أيار 2011: مقدّس بوجوه كثيرة « Alexandria 415

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: