تديّن غير اعتيادي*

...

تديّن غير اعتيادي*
*

طوني صغبيني

*

الثقافة السائدة في البلدان العربيّة اليوم تقوم على نسخة واحدة من الروحانية، هي ما يمكن أن نسمّيه “التديّن الرسمي” التقليدي. وهذا النوع من التديّن له قواعد وأشكال معروفة، منها شكلية مثل إداء الفروض الدينية والصلوات والصوم وما إلى هنالك، ومنها إيمانيّة متعلّقة بالإيمان الكامل بأسس وتعاليم الدين الذي ينتمي إليه الشخص. لكن، في بلادنا أيضاً، كما حول العالم، هنالك أشكال أخرى من “التديّن” (أو بتعبير أدقّ “الروحانية”) قد تبدو غريبة جداً للوهلة الأولى أو غير منطقية بالنسبة لمعظمنا، منها مثلاً اعتناق أكثر من دين في الوقت نفسه، ووجود تديّن روحي من دون الانتماء لأي دين.

معظم الشعوب القديمة لم تعرف حدود بين دين وآخر، حتى أنه في معظم اللغات القديمة لم يكن هنالك من كلمة مرادفة لكلمة “دين”. الأديان اليونانية والفارسية والبابلية والسومرية والكنعانية والهندية والرومانية والجرمانية لا أسماء لها مثلاً في لغاتها الأصلية. ويعود هذا الغياب لسببين رئيسيين: السبب الأول هو أن الدين في الحياة القديمة لم يكن جزءً منفصلاً عن الحياة المدنية بل أحد مكوناتها الأساسية وبالتالي لم يكن هنالك من حاجة لإطلاق أي اسم عليه، والسبب الثاني هو أن القدماء لم يعتبروا أنهم ينتمون إلى أديان مختلفة.

النقطة الأخيرة تستحقّ التوسّع بها لأنها تختلف كثيراً عمّا نعرفه اليوم في الأديان الحديثة؛ القدماء اعتبروا أن الجميع يعرف المقدّس ويجلّه لكن تحت أسماء وأشكال مختلفة، لذلك أديانهم لم تعرف التركيز على صحّة العقيدة وعلى المرتكزات الأيدولوجية للإيمان لأنها بكل بساطة لم تكن أديان عقائدية-أيدولوجية بل أديان عضوية تطوّرت بشكل طبيعي منذ الأنفاس الأوّلى للإنسان الأوّل على هذه الأرض. كانت الناس بالتالي حرّة في اختيار آلهتها وعباداتها وتقديم تصوّرها الخاص للمقدّس؛ كان يمكن للمصري أن يعبد إلهة كنعانية ويعتنق التصوّر الكنعاني للحياة كما كان يمكن لليوناني ان يعبد آلهة مصرية ويعتنق التصوّر المصري للحياة، وكان يمكن لهؤلاء أن يعبدوا كل الآلهة وأن يعتنقوا كل التصورات في نفس الوقت إن رأوا أن ذلك يناسبهم، ولم يكن هنالك مؤسسة دينية تقوم على فكرة “محاسبتهم” أو “إعادتهم إلى الصراط المستقيم”.

هذه الطريقة بالمزج الديني معروفة بالـ Syncretism (“التوفيقية” بالعربية لكن الترجمة غير دقيقة) في حال كانت النتيجة النهائية هي مزج العقائد والممارسات الدينية المختلفة في عقيدة\ممارسة واحدة، وهي معروفة بالـ Eclecticism (او “الانتقائية” بالعربية) في حال كان الشخص يقوم باختيار عدّة عناصر من أديان مختلفة من دون مزجها في عقيدة\ممارسة واحدة.

والأمرين كانا يتمّان بطريقة فردية كما كانا يحصلان أحياناً بطريقة رسمية كما في العهد الهيلليني حيث تم مزج الديانات اليونانية، الكنعانية، الفارسية، البابلية والمصرية في ممارسة هيللينية واحدة عبر المتوسّط.

المزج الديني لا يزال موجود بقوّة اليوم في العديد من التقاليد الدينية (حتى تلك المتعارضة مع بعضها) مثل التقاليد الأفريقية المهاجرة التي تقوم على المزج بين الكاثوليكية والأديان الأفريقية التقليدية، والأديان الوثنية الحديثة. إحدى أنجح الأمثلة على المزج الديني المسالم هي في الصين واليابان وآسيا الشرقية حيث تمتزج الأديان الكونفشيوسية، الطاوية، البوذية والشنتو بطريقة يصعب معها تمييزها من بعضها البعض. معظم الصينيين واليابانيين الذين يعتنقون ديناً ما، يعتنقون أكثر من دين في الوقت نفسه من دون أن يعتبروا أنهم يعتنقون دينين مختلفين. وهكذا يمكن أن نرى يابانية مثلاً تكرّم أسلافها في معبد للشنتو صباحاً فيما تحتفل بيوم الدارما البوذي في المساء، ويمكن أن نرى صينياً يقدّم العطايا للآلهة الطاوية في الربيع فيما يمارس التأمل وفقاً للطريقة البوذية في اليوم نفسه.

شكل آخر من الروحانية غير الاعتيادية هو التديّن الروحاني من دون الانتماء إلى أي دين. بحسب الإحصاءات حول العالم، إحدى أسرع التصنيفات الروحية نمواً هي للذين يصفون أنفسهم بأنهم لا ينتمون إلى ديانة محدّدة. جزء من هؤلاء هم روحانيون ومؤمنون ويقومون بممارسات روحية ما مثل الصلاة، اليوغا أو التأمّل، لكنهم لا يجدون أن التصنيف الديني التقليدي ينطبق عليهم. يصف أصحاب هذه الروحانية أنفسهم عادة بأنهم “روحانيون لكن لادينيون” Spiritual but not religious. يمتلكون غالباً تعريفاتهم الشخصيّة الخاصة لله والماوراء وقد يوافقون على بعض العقائد الدينية لكن ليس بشكل كامل. جزء كبير من معتنقي هذا النوع من الروحانية ينتمون بطريقة أو بأخرى إلى تيار “العصر الجديد“، الذي هو، للمفارقة، دين آخر. معظمهم أيضاً يندرجون ضمن أطار الرؤية التوحيدية للمقدّس ويشكلّ مفهوم “الله” جزءً أساسياً من معتقداتهم.

الفارق الأساسي بين الأديان المتسامحة تجاه المزج الديني وتلك التي تعتبره هرطقة، هو أن التجربة الشخصية المباشرة لها مكانة مهمّة في النوع الأول، مكانة تفوق أحياناً مكانة النصوص “المقدّسة” نفسها. كما أن هذه الأديان لا تمتلك أحياناً كتب مقدّسة أو أنبياء بالمعنى الإبراهيمي للكلمة، وبالتالي لا يوجد لديها قواعد “مُنزلة” للممارسة الروحية الصحيحة.

في جميع الأحوال، وجود أشكال من التديّن الروحي قد تُعتبر خارجة عن المألوف هي دليل قاطع على أنه من الصعب حصر المقدّس وعلاقة البشر معه في إطار مُنزل، جامد وأبدي، أو في صفحات معدودة من كتاب ما أو في أُطر ضيّقة للممارسات طقسيّة محدّدة، أو في جسم واحد محصور برجال دين رسميين. علاقة البشر بالمقدّس هي علاقة متحرّكة ومتطوّرة باستمرار، كلما تقدّمنا فيها سنكتشف أشكال جديدة وغير اعتيادية من التديّن والممارسات الروحية تتلائم مع اكتشافاتنا الجديدة في المقدّس…

_____________________

* المقال المعنون برمز النجمة – * – هو مقال رأي لا يعبّر بالضرورة عن الرأي الرسمي لمدوّنة اسكندرية 415.

_____________________

*

العودة إلى فهرس العدد الأوّل: اسكندرية 415، العدد الأوّل: مقدّس بوجوه كثيرة

*

Advertisements

Posted on يونيو 6, 2011, in مقالات رأي and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink. 7 تعليقات.

  1. العوافي عن جديد صديقي
    مداخلة زغيرة من باب التحليل عن سبب تطوّر الدين “الرسمي التقليدي” متل ما سميتو على حساب باقي أشكال التديّن غير التقليدية يل حكيت عنها، بعتقد للغة دور مهم بالموضوع، إذا يتلاحظ معي، تطوّر الأديان الإبراهيمية جاء مع تطوّر اللغة ـ الكتابة.. بالتالي فرض واقع ملموس ـ مكتوب، سهل الإنتشار والتوسع.. ومن هون بيزيد شكّي بالنصوص المنزّلة وبالتالي تأكيدي على أنها مجرّد نتاج بشري وبوصل تكون متفق معك.

  2. نسيت إنو دلّك على كتاب رح فتّش عليه شخصياً وحسيت رح بيكون في معلومات مهمة بخصوص اللغة
    The Recursive Mind: The origins of human language, thought, and civilization by Michael Corballis
    Princeton University Press

    http://www.newscientist.com/blogs/culturelab/2011/06/thoughts-within-thoughts-make-us-human.html

    • شكراً كتير حسين على الرابط والإضافة القيّمة بتعليقك على المقال.
      فيها وجهة نظر كبيرة ايه بالنسبة للكتابة وتأثيرها على نشوء الأديان “الكتابيّة”. مهمّة هالمقاربة.
      خلّينا نشوفك هون دايماً 😀
      تحياتي

      • قال رح تلاقيني هون قبل أي مطرح تاني، وعم حاول لحّق أمرار 😀
        جداً بتهمني هيدي الموضوعات، لأنها دائماً عم تغلي بالفكر وبحركة مستمرة…
        ألف عافية إلك صديقي على استمرارك بالعزف على أوتار أفكارنا

  3. من لما قريت النص لأوّل مرة لفت نظري تعبيرك عن الروحانية كدين عضوي مش بحاجة لتسميتو بكلمة “دين” لإنو موجود بشكل طبيعي بحياة الناس، ولإنو متطوّر ومبني من تجربة ذاتية. ولما رجعت قريتو من شويّ، رجعت هالفكرة لمعت كمان مرّة براسي! فعلا! بقدر أصيغ تجربتي بكلمات شبيهة!
    وخطرلي إنو قديش اليوم صعب اكتشاف هالتجربة على كتير ناس بسبب الأديان السائدة اللي حطّت كتير حدود بعلاقاتنا اللي مفروض تنوجد بشكل فطري بيننا وبين المقدّس!
    بحسّ إنو اسكندرية 415 رح تنقرا بالبدايات كإنها “لغة تانية” لكتير ناس، مش لإنو النصوص معقّدة لغويا أو مضمونا، بس لإنو بتركيبة التجربة الروحانية وحتى العاطفية اللي سائدة اليوم بين الناس مع الكون اللي حواليهن والكون اللي جوّاتهن، بعيدة كل البعد عن تركيبة التجربة اللي عم تنطرح بالمدوّنة.

    إلى الأمام طنطون 🙂

    • تسلمي عبير 🙂
      يمكن صعبة للوهلة الأولى، بس على المدى البعيد انا مقتنع انها كتير سهلة، لأن الفطرة البشرية شي سهل وواضح.
      سلام

  1. التنبيهات: العدد 1 – أيار 2011: مقدّس بوجوه كثيرة « Alexandria 415

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: