(1\2) كيف يمكن أن نرى المقدّس

منقول عن مدونة نينار – بتصرّف

تصوّر مايكل أنجلو لله والإنسان لحظة الخلق - لوحة "الخلق" على سقف كنيسة سيستين في روما

يميل النقاش الفكري في العالمين العربي والغربي إلى أسر النقاش حول “المقدّس” بتعريف ضيّق له يتمحور حصراً حول الأيدولوجية التوحيدية. في هذه الحالة، لا تمتلك الناس عادة سوى خيارين لا ثالث لهما فيما يتعلّق بمسارهم الروحي؛ فإمّا التوحيد (الإيمان بوجود إله واحد كلي القدرة والمعرفة والعلم منفصل عن العالم المادي)، وإما الإلحاد (القول بعدم وجود أي مقدّس في الوجود بشكل عام والقول بعدم وجود أي نوع من آلهة او وعي أسمى أو روح).

لكن في الواقع، لا تنحصر الخيارات الروحية للإنسان بهذين الخيارين، هنالك الكثير من الخيارات لكن معظمنا لا يعرف عنها شيئاً لأسباب عديدة لا يمكن معالجتها هنا. ما يمكن قوله هو أن الثقافتان الظلامية والتنويرية في بلادنا كانتا أحاديتا الطابع، وهذه الاحادية أفضت  إلى نتيجة واحدة فيما يتعلّق بالخيارات الروحية، وهي شطب كل ما هو خارج الرواية الرسمية للأديان الابراهيمية على أنه “شرك” (وفقاً للدينيين) أو “خرافة” وفقاً (لـ”التنويريين”). في الحالتان هنالك تسطيح وتجاوز مجحف بحق مدارس فلسفية وروحية وأخلاقية غنية ومتنوعة عرفها البشر منذ القدم حتى اليوم. في هذا الموضوع سنقوم بعرض التصنيفات المختلفة لـ”أنواع الإيمان”، على أمل أن يكون ذلك مساهمة صغيرة في سدّ النقص في هذا المجال باللغة العربية، مع العلم أن العرض هنا سيكون مقتضب وغير كافي بطبيعة الحال للإحاطة بهذا الموضوع الكبير.

قبل البدء لا بد من ملاحظة حول المفردات التي سيتم استعمالها في التعاريف. فيما يتعلّق بالمقدّس، نحن نفضّل استعمال كلمة Theos اليونانية والتي تعني “المقدّس” أيضاً، خاصة أنها أكثر حيادية وشمولية من كلمة “الله” (المثقلة بالمعاني التوحيدية). للأسف لم يكن هنالك مهرب من استعمال كلمة “الله” في العديد من المواقع، لكن نشير إلى أنها لا تشير في سياق هذا المقال إلى التعريف التوحيدي للكلمة.

وتنسحب كلمة Theos اليونانية على المفردات اللاتينية لتعريف مختلف أنواع الإيمان حيث باتت كلمة Theism  “المقدّس و\أو الإله و\أو الآلهة”.

وهكذا فإن كلمة Mono-theism تعني الإيمان بإله واحد، كما أن كلمة A-theism تعني عدم الإيمان بوجود آلهة أو إله على الإطلاق. كذلك يتم استعمال كلمة “ربّ” Deity للتمييز بين بعض أنواع الإيمان، وسنعرضها جميعاً في ما يلي. ومن المهم الإشارة قبل البدء إلى أنه، باستثناء التوحيد، الإلحاد واللاأدرية، هنالك العديد من المدارس الروحية التي ينطبق عليها أكثر من تعريف في الوقت نفسه.

راهب بوذي يمارس التأمل في دير في ميانمار – بورما

بالإضافة إلى 1) التوحيد Monotheism، و2) والإلحاد Atheism، هناك:

3) اللا-أدرية Agnosticism: اللا-أدرية (أو التشكيكيّة) هو موقف فكري يعتبر أن حقيقة المزاعم الروحية حول المقدّس لا يمكن تأكيدها ولا نفيها، أو أنه لا يمكن معرفتها على وجه الصحّة. وهي تختلف عن الإلحاد في أنها لا تنفي إمكانية وجود إله، لكنّها أيضاً لا تؤكّد ذلك، هي بكل بساطة تعني “لا أدري ولا أحد يدري أيضاً”.

4) ثنائية الآلهة Duo-theism: وهو الإيمان بإله وإلهة (ذكر وأنثى) ذا قدرة متساوية، تشاركا خلق الكون ويتشاركان في التأثير عليه. وهي بذلك متعارضة مع الاديان الابراهيمية – السماوية التي تعتبر الله ذكراً. وتندرج بعض الطوائف الغنوصية القديمة ضمن هذا الإطار، بالإضافة إلى الدين الوثني الحديث المعروف بـ”ويكا”.

5) تعدّد الآلهة Poly-theism: أي الإيمان بأكثر من إلهة أو إله. وفي الأديان التي تقوم على تعدّد الآلهة يكون هنالك  مجمع Pantheon يضم جميع الآلهة الذكور والإناث. يعتبرون جميعاً مؤثرين بدرجات متفاوتة على الطبيعة والإنسان. وفي الماضي كانت كل الأديان في العالم أديان متعدّدة الآلهة. واليوم تشمل الأديان المتعددة الآلهة نحو نصف سكان الكوكب، ومنها الهندوسية، البوذية التبتية، الشنتو، الجانية، الأديان الأصلية للصين، استراليا،  أفريقيا، أميركا الجنوبية والشمالية، الأديان الوثنية الحديثة مثل الهيثينية الشمالية (إحياء ديانة الكلت-الجرمان القديمة)، الدرويدية (ديانة الإنكليز القديمة)، الهيللنية (إحياء الديانة اليونانية القديمة)، الكيميتية (إحياء ديانة المصريين القديمة) ونَطيب قادِش (إحياء ديانة الكنعانيين القديمة).

6) وحدة الوجود Pan-theism: وتعني بالأصل اليوناني “الكلّ هو الله” (أو: “الله هو الكل”)، وهي الإيمان بأن الكون والله متطابقان بالكامل، أي أن الله هو الكون والكون هو الله. لكن هذه الفلسفة لا تؤمن بأن الله – الكل هو إله شخصي له صفات إنسانية، ولا تؤمن أيضاً بوجود إله خالق. وهنالك العديد من الفلسفات المختلفة ضمن إطار وحدة الوجود لكنها جميعاً تعتبر أن الكون هو وحدة كاملة وأن الطبيعة مقدّسة. وتندرج معظم الاديان القديمة والأصلية ضمن هذا الإطار، بالإضافة إلى الطاوية، بعض الطوائف الهندوسية والبوذية، الصوفية والاديان الوثنية الحديثة.

(يتبع)

*

العودة إلى الفهرس، عدد أيار 2011

*

Advertisements

Posted on مايو 9, 2011, in تعاريف and tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: